ابن أبي الحديد

170

شرح نهج البلاغة

كقوله : ( أشركتك في أمانتي ، وجعلتك بطانتي وشعاري ، وأنه لم يكن في أهلي رجل أوثق منك ) ، وقوله : ( على ابن عمك قد كلب ) ، ثم قال ثانيا : ( قلبت لابن عمك ظهر المجن ) ثم قال ثالثا : ( ولابن عمك آسيت ) ، وقوله : ( لا أبا لغيرك ) ، وهذه كلمة لا تقال إلا لمثله ، فأما غيره من أفناء الناس ، فإن عليا عليه السلام كان يقول : لا أبا لك . وقوله : ( أيها المعدود كان عندنا من أولى الألباب ) . وقوله : ( لو أن الحسن والحسين ع ) ، وهذا يدل على أن المكتوب إليه هذا الكتاب قريب من أن يجرى مجراهما عنده . وقد روى أرباب هذا القول أن عبد الله بن عباس كتب إلى علي عليه السلام جوابا من هذا الكتاب ، قالوا : وكان جوابه : أما بعد ، فقد أتاني كتابك تعظم على ما أصبت من بيت مال البصرة ولعمري إن حقي في بيت المال أكثر مما أخذت ، والسلام : قالوا : فكتب إليه علي عليه السلام : أما بعد ، فإن من العجب ان تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل واحد من المسلمين ، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل ، وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم ، ويحل لك المحرم ، إنك لأنت المهتدي السعيد إذا ! وقد بلغني أنك أتخذت مكة وطنا ، وضربت بها عطنا . تشترى بها مولدات مكة والمدينة والطائف ، تختارهن على عينك ، وتعطى فيهن مال غيرك ، فارجع هداك الله إلى رشدك وتب إلى الله ، ربك واخرج إلى المسلمين من أموالهم ، فعما قليل تفارق من ألفت وتترك ما جمعت ، وتغيب في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد ، قد فارقت الأحباب ، وسكنت التراب ، وواجهت الحساب ، غنيا عما خلفت ، فقيرا إلى ما قدمت ، والسلام .