ابن أبي الحديد

165

شرح نهج البلاغة

وفى الحديث المرفوع : ( من ولى لنا عملا فليتزوج ، وليتخذ مسكنا ومركبا وخادما ، فمن اتخذ سوى ذلك جاء يوم القيامة عادلا غالا سارقا ) وقال عمر في وصيته لابن مسعود : إياك والهدية ، وليست بحرام ، ولكني أخاف عليك الدالة . وأهدى رجل لعمر فخذ جزور فقبله ، ثم ارتفع إليه بعد أيام مع خصم له ، فجعل في أثناء الكلام يقول : يا أمير المؤمنين ، أفصل القضاء بيني وبينه كما يفصل فخذ الجزور . فقضى عمر عليه ، ثم قام فخطب الناس ، وحرم الهدايا على الولاة والقضاة . وأهدى إنسان إلى المغيرة سراجا من شبه ، وأهدى آخر إليه بغلا ، ثم اتفقت لهما خصومة في أمر فترافعا إليه ، فجعل صاحب السراج يقول : إن أمري أضوء من السراج ، فلما أكثر قال المغيرة ويحك ، إن البغل يرمح السراج فيكسره . ومر عمر ببناء يبنى بآجر وجص لبعض عماله فقال : أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها . وروى هذا الكلام عن علي عليه السلام ، وكان عمر يقول : على كل عامل أمينان : الماء والطين . ولما قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر : يا عدو الله وعدو كتابه ، أسرقت مال الله تعالى ؟ قال أبو هريرة : لست بعدو الله ولا عدو كتابه ، ولكني عدو من عاداهما ، ولم أسرق مال الله . فضربه بجريدة على رأسه ، ثم ثناه بالدرة ، وأغرمه عشرة آلاف درهم ، ثم أحضره ، فقال : يا أبا هريرة ، من أين لك عشره آلاف درهم ؟ قال : خيلي تناسلت ، وعطائي تلاحق وسهامي تتابعت ، قال عمر : كلا والله . ثم تركه أياما ، ثم قال له : ألا تعمل ؟ قال : لا ، قال : قد عمل من هو خير منك يا أبا هريرة ، قال : من هو ؟ قال : يوسف الصديق ، فقال أبو هريرة أن يوسف عمل لمن لم يضرب رأسه