ابن أبي الحديد
111
شرح نهج البلاغة
وقد قال الشعراء المتقدمون والمتأخرون فأكثروا نحو قولهم : وفى الناس إن رثت حبالك واصل * وفى الأرض عن دار القلى متحول ( 1 ) . وقول تأبط شرا ( 2 ) إني إذا خلة ضنت بنائلها * وأمسكت بضعيف الحبل أحذاقي ( 3 ) نجوت منها نجائي من بجيلة إذ * ألقيت ليله خبت الرهط أرواقي ( 4 ) وخامس عشرها قوله : لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته ، ولا تكونن على الإساءة أقوى منك على الاحسان " . هذا أمر له بأن يصل من قطعه ، وأن يحسن إلى من أساء إليه . ظفر المأمون عبد الله بن هارون الرشيد بكتب قد كتبها محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق عليه السلام إلى أهل الكرخ وغيرهم من أعمال أصفهان يدعوهم فيها إلى نفسه ، فأحضرها بين يديه ، ودفعها إليه ، وقال له : أتعرف هذه ؟ فأطرق خجلا ، فقال له : أنت آمن ، وقد وهبت هذا الذنب لعلى وفاطمة عليهما السلام ، فقم إلى منزلك ، وتخير ما شئت من الذنوب ، فإنا نتخير لك مثل ذلك من العفو . وسادس عشرها قوله : " لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك ، فإنه يسعى في مضرته ونفعك وليس جزاء من سرك أن تسوءه " ، جاء في الخبر المرفوع أنه صلى الله عليه وآله سمع عائشة تدعو على من سرق عقدا لها فقال لها : " لا تمسحي عنه بدعائك ، أي لا تخففي عذابه " . وقوله عليه السلام وليس جزاء من سرك أن تسوءه " ، يقول لا تنتقم ممن ظلمك فإنه قد نفعك في الآخرة بظلمه لك ، وليس جزاء من ينفع إنسانا أن يسئ إليه . وهذا مقام جليل
--> ( 1 ) لمعن بن أوس ، ديوانه 59 . ( 2 ) المفضليات 8 . ( 3 ) الخلة : الصداقة ، وتقال للصديق ، وتطلق على المذكر والمؤنث والمثنى والجمع ، وأنت الضمائر من أجل اللفظ ، والأحذاق : القطع من الحبال . ( 4 ) الخبت : اللين من الأرض . الرهط : موضع . ألقيت أرواقي : استفرغت جهدي وعدوت عدوا شديدا .