ابن أبي الحديد

112

شرح نهج البلاغة

لا يقدر عليه إلا الافراد من الأولياء الأبرار . وقبض بعض الجبابرة على قوم صالحين ، فحبسهم وقيدهم ، فلما طال عليهم الامر زفر بعضهم زفرة شديدة ، ودعا على ذلك الجبار ، فقال له بعض أولاده - وكان أفضل أهل زمانه في العبادة . وكان مستجاب الدعوة : لا تدع عليه فتخفف من عذابه ، قالوا : يا فلان ، ألا ترى ما بنا وبك ! لا يأنف ربك لنا ! قال : إن لفلان مهبطا في النار لم يكن ليبلغه إلا بما ترون ، وان لكم لمصعدا في الجنة لم تكونوا لتبلغوه إلا بما ترون . قالوا : فقد نال منا العذاب والحديد ، فادع الله لنا أن يخلصنا وينقذنا مما نحن فيه ، قال : إني لأظن أنى لو فعلت لفعل ، ولكن والله لا أفعل حتى أموت هكذا ، فألقى الله فأقول له : أي رب سل فلانا لم فعل بي هذا ؟ ومن الناس من يجعل قوله عليه السلام : " وليس جزاء من سرك أن تسوءه " ، كلمة مفردة مستقلة بنفسها ، ليست من تمام الكلام الأول ، والصحيح ما ذكرناه . وسابع عشرها - ومن حقه أن يقدم ذكره قوله : " ولا يكن أهلك أشقى الخلق بك " ، هذا كما يقال في المثل : من شؤم الساحرة أنها أول ما تبدأ بأهلها ، والمراد من هذه الكلمة النهى عن قطيعة الرحم وإقصاء الأهل وحرمانهم ، وفى الخبر المرفوع : " صلوا أرحامكم ولو بالسلام " ، الأصل : واعلم يا بنى أن الرزق رزقان : رزق تطلبه ، ورزق يطلبك ، فإن أنت لم تأته أتاك . ما أقبح الخضوع عند الحاجة ، والجفاء عند الغنى ! إنما لك من دنياك ، ما أصلحت به مثواك ، وإن كنت جازعا على ما تفلت من يديك ، فاجزع على كل ما لم يصل إليك .