ابن أبي الحديد
108
شرح نهج البلاغة
وسابعها قوله : " وامحض أخاك النصيحة ، حسنة كانت أو قبيحة " ، ليس يعنى عليه السلام بقبيحة ها هنا القبيح الذي يستحق به الذم والعقاب ، وإنما يريد نافعة له في العاجل كانت أو ضارة له في الاجل ، فعبر عن النفع والضرر بالحسن والقبيح ، كقوله تعالى : ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ) ( 1 ) . وقد فسره قوم فقالوا : أراد : كانت نافعة لك أو ضارة لك ، ويحتمل تفسير آخر وهو وصيته إياه أن يمحض أخاه النصيحة سواء كانت مما لا يستحيا من ذكرها وشياعها ، أو كانت مما يستحيا من ذكرها واستفاضتها بين الناس ، كمن ينصح صديقه في أهله ويشير عليه بفراقهم لفجور اطلع عليه منهم ، فإن الناس يسمون مثل هذا إذا شاع قبيحا . وثامنها قوله : " تجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة " هذا مثل قولهم : الحلم مرارة ساعة ، وحلاوة الدهر كله . وكان يقال : التذلل للناس مصايد الشرف . قال المبرد في " الكامل " : أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي عليهم السلام ، فقال : يا بنى ، عليك بتجرع الغيظ من الرجال ، فإن أباك لا يسره بنصيبه من تجرع الغيظ من الرجال حمر النعم ، والحلم أعز ناصرا وأكثر عددا ( 2 ) . وتاسعها قوله : " لن لمن غالظك ، فإنه يوشك أن يلين لك " ، هذا مثل المثل المشهور : " إذا عز أخوك فهن " ، والأصل في هذا قوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ( 3 ) . وعاشرها قوله : " خذ على عدوك بالفضل فإنه أحد الظفرين " هذا معنى مليح ، ومنه قول ابن هانئ في المعز ( 4 ) :
--> ( 1 ) سورة الروم 36 . ( 2 ) الكامل . ( 3 ) سورة فصلت 34 . ( 4 ) ب : " المعتز " ، تصحف ، صوابه في أ .