ابن أبي الحديد
71
شرح نهج البلاغة
رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : يا أسماء ، أين بنو جعفر ؟ فجئت بهم إليه ، فضمهم وشمهم ، ثم ذرفت عيناه ، فبكى ، فقلت : يا رسول الله ، لعله بلغك عن جعفر شئ ! قال : نعم ، إنه قتل اليوم ، فقمت أصيح ، واجتمع إلى النساء ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا أسماء ، لا تقولي هجرا ، ولا تضربي صدرا ، ثم خرج حتى دخل على ابنته فاطمة رضي الله عنها ، وهي تقول : وا عماه ! فقال : على مثل جعفر فلتبك الباكية . ثم قال : اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد شغلوا عن أنفسهم اليوم . قال الواقدي : وحدثني محمد بن مسلم ، عن يحيى بن أبي يعلى ، قال : سمعت عبد الله بن جعفر يقول : أنا أحفظ حين دخل النبي صلى الله عليه وآله على أمي ، فنعى إليها أبى ، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي ، وعيناه تهراقان بالدمع حتى قطرت لحيته ، ثم قال : اللهم إن جعفرا قدم إلى أحسن الثواب ، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته ، ثم قال : يا أسماء ، ألا أبشرك ؟ قالت : بلى بأبي وأمي . قال : فإن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة ، قالت : بأبي وأمي ، فأعلم الناس ذلك ! فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقي على المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى ، وإن الحزن ليعرف عليه ، فتكلم فقال : إن المرء كثير بأخيه وابن عمه ، ألا إن جعفرا قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة . ثم نزل ، فدخل بيته وأدخلني ، وأمر بطعام فصنع لنا ، وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده غداء طيبا ، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته ، ثم نشفته ، ثم أنضجته وآدمته بزيت ، وجعلت عليه فلفلا ، فتغديت أنا وأخي معه ، وأقمنا عنده ثلاثة أيام ندور معه في بيوت نسائه ، ثم أرجعنا إلى بيتنا ، وأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وأنا أساوم في شاة ، فقال اللهم بارك له في صفقته ، فوالله ما بعت شيئا ولا اشتريت إلا بورك فيه .