ابن أبي الحديد
252
شرح نهج البلاغة
قوم كان يخافهم على ملكه ، ويعرف حقهم فيه ، وموقعهم من قلوب الأمة ، فكان في ذلك تدبيرا ، ويريع ( 1 ) أمورا ، ويصانع عن دولته وملكه ، ونحن لم نعد قط ما أعطى خلفاء بني هاشم قوادهم وكتابهم وبنى عمهم جودا ، فقد وهب المأمون للحسن بن سهل غلة عشرة آلاف ألف فما عد ذلك منه مكرمة ، وكذلك كل ما يكون داخلا في باب التجارة واستمالة القلوب ، وتدبير الدولة ، وإنما يكون الجود ما يدفعه الملوك في الوفود والخطباء والشعراء والاشراف والأدباء والسمار ونحوهم ، ولولا ذلك لكان الخليفة إذا وفى الجند أعطياتهم احتسب ذلك في جوده ، فالعمالات شئ والاعطاء على دفع المكروه شئ ، والتفضل والجود شئ . ثم إن الذين أعطاهم معاوية ويزيد هو بعض حقهم ، والذي فضل عليهما أكثر مما خرج منهما . وإن أريد الموازنة بين ملوك بنى العباس وملوك بنى أمية في العطاء افتضح بنو أمية وناصروهم فضيحة ظاهرة ، فإن نساء خلفاء بنى عباس أكثر معروفا من رجال بنى أمية ، ولو ذكرت معروف أم جعفر وحدها لأتى ذلك على جميع صنائع بنى مروان ، وذلك معروف ، ولو ذكر معروف الخيزران وسلسبيل لملئت الطوامير الكثيرة به ، وما نظن خالصة مولاتهم إلا فوق أجواد أجوادهم ، وإن شئت أن تذكر مواليهم وكتابهم فاذكر عيسى بن ماهان ، وابنه عليا ، وخالد بن برمك وابنه يحيى ، وابنه جعفرا والفضل وكاتبهم منصور بن زياد ومحمد بن منصور وفتى العسكر ، فإنك تجد لكل واحد من هؤلاء ما يحيط بجميع صنائع بنى عبد شمس . فأما ملوك الأموية فليس منهم إلا من كان يبخل على الطعام ، وكان جعفر بن سليمان كثيرا ما يذكر ذلك ، وكان معاوية يبغض الرجل النهم على مائدته ، وكان
--> ( 1 ) يريع : يزيد .