ابن أبي الحديد
253
شرح نهج البلاغة
المنصور إذا ذكرهم يقول : كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع ، وكان الوليد مجنونا ، وكان سليمان همه بطنه وفرجه ، وكان عمر أعور بين عميان ، وكان هشام رجل القوم ، وكان لا يذكر ابن عاتكة ، ولقد كان هشام مع ما استثناه به يقول : هو الأحول السراق ، ما زال يدخل إعطاء الجند شهرا في شهر وشهرا في شهر ، حتى أخذ لنفسه مقدار رزق سنة ، وأنشده أبو النجم العجلي أرجوزته التي أولها : * الحمد لله الوهوب المجزل * فما زال يصفق بيديه استحسانا لها حتى صار إلى ذكر الشمس ، فقال : * والشمس في الأفق كعين الأحول * فأمر بوجئ ( 1 ) عنقه وإخراجه ، وهذا ضعف شديد وجهل عظيم . وقال خاله إبراهيم بن هشام المخزومي : ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين : حدا به الحادي مرة فقال : إن عليك أيها البختي * أكرم من تمشي به المطي فقال : صدقت . وقال مرة : والله لأشكون سليمان يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك . وهذا ضعف شديد وجهل مفرط . وقال أبو عثمان : وكان هشام يقول : والله إني لأستحي أن أعطى رجلا أكثر من أربعة آلاف درهم ، ثم أعطى عبد الله بن الحسن أربعة آلاف دينار فاعتدها في جوده وتوسعه ، وإنما اشترى بها ملكه ، وحصن بها عن نفسه وما في يديه . قال له أخوه مسلمة : أتطمع أن تلي الخلافة وأنت بخيل جبان ! فقال : ولكني حليم عفيف ، فاعترف بالجبن والبخل ، وهل تقوم الخلافة مع واحد منهما ! وإن قامت فلا تقوم إلا مع الخطر العظيم ، والتغرير الشديد . ولو سلمت من الفساد لم تسلم من العيب .
--> ( 1 ) الوجئ : الضرب .