ابن أبي الحديد

186

شرح نهج البلاغة

وكانوا كما قال الله سبحانه لهم : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ( 1 ) ، فكان أفضلهم مرتبة ، وأعلاهم عند الله والمسلمين منزلة ، الخليفة الأول ، الذي جمع الكلمة ، ولم الدعوة وقاتل أهل الردة ، ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ، ومصر الأمصار وأذل رقاب المشركين . ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة ، وطبق الآفاق بالكلمة الحنيفية . فلما استوثق الاسلام وضرب بجرانه عدوت عليه فبغيته الغوائل ، ونصبت له المكايد ، وضربت له بطن الامر وظهره ، ودسست عليه ، وأغريت به ، وقعدت حيث استنصرك عن نصره ، وسألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته ، وما يوم المسلمين منك بواحد . لقد حسدت أبا بكر ، والتويت عليه ، ورمت إفساد أمره ، وقعدت في بيتك ، واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته ، ثم كرهت خلافة عمر وحسدته واستطلت مدته ، وسررت بقتله ، وأظهرت الشماتة بمصابه ، حتى إنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه ، ثم لم تكن أشد منك حسدا لابن عمك عثمان ، نشرت مقابحه ، وطويت محاسنه ، وطعنت في فقهه ، ثم في دينه ، ثم في سيرته ، ثم في عقله ، وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك ، حتى قتلوه بمحضر منك ، لا تدفع عنه بلسان ولا يد ، وما من هؤلاء إلا من بغيت عليه ، وتلكأت في بيعته ، حتى حملت إليه قهرا ، تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش ، ثم نهضت الان تطلب الخلافة ، وقتلة عثمان خلصاؤك وسجراؤك والمحدقون بك ، وتلك من أماني النفوس ، وضلالات الأهواء . فدع اللجاج والعبث جانبا ، وادفع إلينا قتلة عثمان ، وأعد الامر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا . فلا بيعه لك في أعناقنا ، ولا طاعة لك علينا ، ولا عتبى لك

--> ( 1 ) سورة الفتح 29 .