ابن أبي الحديد

165

شرح نهج البلاغة

هكذا يفعلون ، يأخذون مال هذا فيعطونه هذا . ويجوز أن يرجع الضمير إلى العظماء ، أي حتى لا يطمع العظماء في جورك في القسم الذي إنما تفعله لهم ولأجلهم ، فإن ولاة الجور يطمع العظماء فيهم أن يحيفوا في القسمة في الفئ ويخالفوا ما حده الله تعالى فيها ، حفظا لقلوبهم ، واستمالة لهم ، وهذا التفسير أليق بالخطابة ، لان الضمير في " عليهم " في الفقرة الثالثة عائد إلى الضعفاء ، فيجب أن يكون الضمير في " لهم " في الفقرة الثانية عائدا إلى العظماء . قوله : " فإن يعذب فأنتم أظلم " أفعل هاهنا بمعنى الصفة ، لا بمعنى التفضيل ، وإنما يراد فأنتم الظالمون ، كقوله تعالى : ( وهو أهون عليه ) ( 1 ) . وكقولهم : الله أكبر . ثم ذكر حال الزهاد فقال : " أخذوا من الدنيا بنصيب قوي ، وجعلت لهم الآخرة ، ويروى أن الفضيل بن عياض كان هو ورفيق له في بعض الصحارى ، فأكلا كسرة يابسة ، واغترفا بأيديهما ماء من بعض الغدران ، وقام الفضيل فحط رجليه في الماء ، فوجد برده ، فالتذ به وبالحال التي هو فيها ، فقال لرفيقه : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من العيش واللذة لحسدونا . وروي : " والمتجر المربح " ، فالرابح فاعل من ربح ربحا ، يقال : بيع رابح أي يربح فيه ، والمربح : اسم فاعل قد عدي ماضيه بالهمزة ، كقولك : قام وأقمته . قوله : " جيران الله غدا في آخرتهم " ، ظاهر اللفظ غير مراد ، لان البارئ تعالى ليس في مكان وجهة ليكونوا جيرانه ، ولكن لما كان الجار يكرم جاره سماهم جيران الله ، لإكرامه إياهم ، وأيضا فإن الجنة إذا كانت في السماء والعرش هو السماء العليا ، كان في الكلام محذوف مقدر ، أي جيران عرش الله غدا .

--> ( 1 ) سورة الروم 27 .