ابن أبي الحديد

166

شرح نهج البلاغة

قوله : " فإنه يأتي بأمر عظيم ، وخطب جليل ، بخير لا يكون معه شر أبدا وشر لا يكون معه خير أبدا " ، نص صريح في مذهب أصحابنا في الوعيد ، وأن من دخل النار من جميع المكلفين فليس بخارج ، لأنه لو خرج منها لكان الموت قد جاءه بشر معه خير ، وقد نفى نفيا عاما أن يكون مع الشر المعقب للموت خير البتة . قوله : " من عاملها " ، أي من العامل لها . قوله : " طرداء الموت " ، جمع طريد ، أي يطردكم عن أوطانكم ويخرجكم منها ، لا بد من ذلك ، إن أقمتم أخذكم ، وإن هربتم أدرككم . وقال الراوندي : طرداء هاهنا : جمع طريدة وهي ما طردت من الصيد أو الوسيقة ( 1 ) ، وليس بصحيح ، لان " فعيلة " بالتأنيث لا تجمع على فعلاء . وقال النحويون : إن قوله تعالى : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) ( 2 ) جاء على " خليف " لا على " خليفة " وأنشدوا لأوس بن حجر ، بيتا استعملها جميعا فيه ، وهو : إن من القوم موجودا خليفته * وما خليف أبي ليلى بموجود ( 3 ) قوله : " ألزم لكم من ظلكم " ، لان الظل لا تصح مفارقته لذي الظل ما دام في الشمس ، وهذا من الأمثال المشهورة . قوله : " معقود بنواصيكم " ، أي ملازم لكم ، كالشئ المعقود بناصية الانسان أين ذهب ذهب معه . وقال الراوندي : أي الموت غالب عليكم ، قال تعالى : ( فيؤخذ بالنواصي والاقدام ) ( 4 ) ، فإن الانسان إذا أخذ بناصيته لا يمكنه الخلاص ، وليس بصحيح ، لأنه لم يقل : " أخذ بنواصيكم " . قوله : " والدنيا تطوى من خلفكم " من كلام بعض الحكماء : الموت والناس كسطور

--> ( 1 ) الوسيقة : الجماعة من الإبل ، إذا سوقت طردت معا . ( 2 ) سورة النمل 62 . ( 3 ) ديوانه 25 ، وروايته : " وما خليف أبي وهب " . ( 4 ) سورة الرحمن 41 .