ابن أبي الحديد
118
شرح نهج البلاغة
الشرح : يقال : طلبت إلى فلان كذا ، والتقدير طلبت كذا راغبا إلى فلان ، كما قال تعالى : ( في تسع آيات إلى فرعون ) ( 1 ) أي مرسلا . ويروى " إلا حشاشة نفس " ، بالافراد ، وهو بقيه الروح في بدن المريض . وروي : " ألا ومن أكله الحق فإلى النار " ، وهذه الرواية أليق من الرواية المذكورة في أكثر الكتب ، لان الحق يأكل أهل الباطل ، ومن روى تلك الرواية أضمر مضافا تقديره " أعداء الحق " ، ومضافا آخر تقديره " أعداء الباطل " . ويجوز أن يكون من أكله الحق فإلى الجنة ، أي من أفضى به الحق ونصرته والقيام دونه إلى القتل ، فإن مصيره إلى الجنة ، فيسمى الحق لما كانت نصرته كالسبب إلى القتل أكلا لذلك المقتول ، وكذلك القول في الجانب الآخر . وكان الترتيب يقتضى أن يجعل هاشما بإزاء عبد شمس لأنه أخوه في قعدد ( 2 ) ، وكلاهما ولد عبد مناف لصلبه ، وأن يكون أمية بإزاء عبد المطلب ، وأن يكون حرب بإزاء أبى طالب ، وأن يكون أبو سفيان بإزاء أمير المؤمنين عليه السلام ، لان كل واحد من هؤلاء في قعدد صاحبه ، إلا أن أمير المؤمنين عليه السلام لما كان في صفين بإزاء معاوية اضطر إلى أن جعل هاشما بإزاء أمية بن عبد شمس . فإن قلت : فهلا قال : " ولا أنا كأنت " ؟ قلت : قبيح أن يقال ذلك ، كما لا يقال : السيف أمضى من العصا ، بل قبيح به أن يقولها مع أحد من المسلمين كافة ، نعم قد يقولها لا تصريحا ، بل تعريضا ، لأنه يرفع نفسه على أن يقيسها بأحد . وهاهنا قد عرض بذلك في قوله : " ولا المهاجر كالطليق " فإن قلت : فهل معاوية
--> ( 1 ) سورة النمل 12 . ( 2 ) قعدد ، أي قريب الآباء من الجد الأكبر .