ابن أبي الحديد

108

شرح نهج البلاغة

فقبل فيروز قوله بعد أن أشار إليه وزراؤه بالاتهام له ، والحذر منه ، [ وبغير ذلك ] ( 1 ) . فخالفهم وسلك تلك الطريق ، فانتهوا بعد يومين إلى موضع من المفازة لا صدر لهم عنه ، ولا ماء معهم ، ولا بين أيديهم ، وتبين لهم أنهم قد خدعوا ، فتفرقوا في تلك المفازة يمينا وشمالا يلتمسون الماء ، فقتل العطش أكثرهم ، ولم يسلم مع فيروز إلا عدة يسيرة ، فانتهى إليهم أخشنوار بجيشه ، فواقعهم في تلك الحال التي هم فيها من القلة والضر والجهد ، فاستمكنوا منهم ، بعد أن أعظموا ( 2 ) النكاية فيهم . وأسر فيروز ، فرغب أخشنوار أن يمن عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل له عهد الله وميثاقه ، ألا يغزوهم أبدا ما بقي ، وعلى أن يحد فيما بينه وبين مملكتهم حدا لا يتجاوزه جنوده . فرضي أخشنوار بذلك فخلى سبيله ، وجعلا بين المملكتين حجرا ( 3 ) لا يتجاوزه كل واحد منهما . فمكث فيروز برهة من دهره ، ثم حمله الانف على أن يعود لغزو الهياطلة ، ودعا أصحابه إلى ذلك ، فنهوه عنه ، وقالوا : إنك قد عاهدته ، ونحن نتخوف عليك عاقبه البغي والغدر ، مع ما في ذلك من العار وسوء القالة ( 4 ) . فقال لهم : إنما اشترطت له ألا أجوز الحجر الذي جعلناه بيننا ، وأنا آمر بالحجر فيحمل أمامنا على عجل . فقالوا : أيها الملك ، إن العهود والمواثيق التي يتعاطاها الناس بينهم لا تحمل على ما يسره المعطي لها ، ولكن على ما يعلن به المعطى إياها ، وإنما جعلت عهد الله وميثاقه على الامر الذي عرفه ، لا على الامر الذي لم يخطر له ببال . فأبى فيروز ومضى في غزوته حتى انتهى إلى الهياطلة ، وتصاف الفريقان للقتال .

--> ( 1 ) من عيون الأخبار . ( 2 ) عيون الأخبار : " وأعظموا النكاية " . ( 3 ) عيون الأخبار : " حدا لا تجاوزه " . ( 4 ) القول في الخير ، والقالة في الشر ، وفي عيون الأخبار : " المقالة " .