ابن أبي الحديد

109

شرح نهج البلاغة

فأرسل أخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفيهم ، فخرج إليه ، فقال له أخشنوار : إني قد ظننت أنه لم يدعك إلى مقامك هذا إلا الانف مما أصابك ، ولعمري إن كنا قد احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه ، وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ، وما أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وحريمنا ، ولقد كنت جديرا أن تكون من سوء مكافأتنا بمننا عليك وعلى من معك ، ومن نقض العهد والميثاق الذي أكدته على نفسك أعظم أنفا ، وأشد امتعاضا مما نالك منا ، فإنا أطلقناكم وأنتم أسارى ، ومننا عليكم وأنتم على الهلكة مشرفون ، وحقنا دماءكم ولنا على سفكها قدرة . وإنا لم نجبرك على ما شرطت لنا ، بل كنت أنت الراغب إلينا فيه ، والمريد لنا عليه ، ففكر في ذلك ، وميز بين هذين الامرين فانظر أيهما أشد عارا ، وأقبح سماعا ، إن طلب رجل أمرا فلم يقدر له ولم ينجح في طلبته وسلك سبيلا فلم يظفر فيه ببغيته ، واستمكن منه عدوه على حال جهد وضيعه منه وممن هم معه . فمن عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه ، وأمر اصطلحوا عليه ، فاصطبر ( 1 ) بمكروه القضاء ، واستحيا من الغدر والنكث ، أن يقال : نقض العهد وأخفر ( 2 ) الميثاق ، مع أنى قد ظننت أنه يزيدك لجاجة ( 3 ) ما تثق به من كثرة جنودك ، وما ترى من حسن عدتهم ، وما أجدني أشك أنهم أو أكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم ، عارفون بأنك قد حملتهم على غير الحق ، ودعوتهم إلى ما يسخط الله ، وأنهم في حربنا غير مستبصرين ، ونياتهم على مناصحتك مدخولة . فانظر ما قدر غناء من يقاتل على هذه الحال ، وما عسى أن يبلغ نكايته في عدوه ، إذا كان عارفا بأنه إن ظفر فمع عار ، وإن قتل فإلى النار ! وأنا أذكرك الله الذي جعلته

--> ( 1 ) عيون الأخبار : " فاضطر " . ( 2 ) أخفر ميثاقه : نقض عهده ، وفي عيون الأخبار : " خفر الميثاق " . ( 3 ) عيون الأخبار : " نجاحا " .