ابن أبي الحديد

94

شرح نهج البلاغة

قال الواقدي : قال العباس : فوالله ما كان منى غير أنى جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئا ، فلما أمسيت لم تبق امرأة أصابتها ولادة عبد المطلب إلا جاءت ، فقلن لي أرضيتم بهذا الفاسق الخبيث يقع في رجالكم ، ثم قد تناول نساءكم ولم تكن لك عند ذلك غيره فقلت والله ما قلت إلا لأني لا أبالي به ، ولأيم الله لأعرضن له غدا ، فان عاد كفيتكن إياه فلما أصبحوا من ذلك اليوم الذي رأت فيه عاتكة ما رأت ، قال أبو جهل : هذه ثلاثة أيام ما بقي قال العباس : وغدوت في اليوم الثالث ، وأنا حديد مغضب ، أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه ، وأذكر ما أحفظني به النساء من مقالتهن ، فوالله إني لأمشي نحوه - وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر - إذ خرج نحو باب بنى سهم يشتد ، فقلت ما باله لعنه الله أكل هذا فرقا من أن أشاتمه فإذا هو قد سمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يقول يا معشر قريش ، يا آل لؤي بن غالب ، اللطيمة قد عرض لها محمد في أصحابه الغوث الغوث والله ما أرى أن تدركوها ، وضمضم ينادى بذلك في بطن الوادي وقد جدع أذني بعيره وشق قميصه قبلا ودبرا ، وحول رحله ، وكان يقول لقد رأيتني قبل أن أدخل مكة وإني لأرى في النوم وأنا على راحلتي كان وادي مكة يسيل من أسفله إلى أعلاه دما ، فاستيقظت فزعا مذعورا ، فكرهتها لقريش ، ووقع في نفسي أنها مصيبة في أنفسهم . قال الواقدي : وكان عمير بن وهب الجمحي يقول ما رأيت أعجب من أمر ضمضم قط ، وما صرح على لسانه إلا شيطان كأنه لم يملكنا من أمورنا شيئا ، حتى نفرنا على الصعب والذلول ، وكان حكيم بن حزام يقول ما كان الذي جاءنا فاستنفرنا إلى العير إنسانا إن هو إلا شيطان ، قيل كيف يا أبا خالد قال : إني لأعجب منه ، ما ملكنا من أمرنا شيئا . قال الواقدي : فجهز الناس وشغل بعضهم عن بعض ، وكان الناس بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا ، وأشفقت قريش لرؤيا عاتكة ، وسر بنو هاشم .