ابن أبي الحديد

95

شرح نهج البلاغة

وقال قائلهم : كلا ، زعمتم أنا كذبنا وكذبت عاتكة فأقامت قريش ثلاثا تتجهز - ويقال يومين - وأخرجت أسلحتها واشتروا سلاحا ، وأعان قويهم ضعيفهم ، وقام سهيل ابن عمرو في رجال من قريش ، فقال يا معشر قريش ، هذا محمد والصباة معه من شبانكم وأهل يثرب قد عرضوا لعيركم ولطيمتكم ( 1 ) ، فمن أراد ظهرا فهذا ظهر ، ومن أراد قوة فهذه قوة . وقام زمعة بن الأسود ، فقال إنه واللات والعزى ما نزل بكم أمر أعظم من أن طمع محمد وأهل يثرب أن يعرضوا لعيركم فيها خزائنكم ، فأوعبوا ( 2 ) ولا يتخلف منكم أحد ، ومن كان لا قوة له فهذه قوة ، والله لئن أصابها محمد وأصحابه لا يروعكم منهم ألا وقد دخلوا عليكم بيوتكم . وقال طعيمة بن عدي يا معشر قريش ، والله ما نزل بكم أمر أجل من هذه أن يستباح عيركم ، ولطيمة قريش فيها أموالكم وخزائنكم ، والله ما أعرف رجلا ولا امرأة من بنى عبد مناف له نش ( 3 ) فصاعدا ، إلا وهو في هذه العير ، فمن كان لا قوة به فعندنا قوة نحمله ونقويه . فحمل على عشرين بعيرا وقوى بهم ، وخلفهم في أهلهم بمعونة وقام حنظلة بن أبي سفيان وعمرو بن أبي سفيان فحضا الناس على الخروج ، ولم يدعوا إلى قوة ولا حملان ، فقيل لهما ألا تدعوان إلى ما دعا إليه قومكما من الحملان قالا والله ما لنا مال ، وما المال إلا لأبي سفيان . ومشى نوفل بن معاوية الديلمي إلى أهل القوة من قريش ، وكلمهم في بذل النفقة والحملان لمن خرج ، فكلم عبد الله بن أبي ربيعة ، فقال هذه خمسمائة دينار تضعها حيث رأيت ، وكلم حويطب بن عبد العزى ، فاخذ منه مائتي دينار أو ثلاثمائة ، ثم قوى بها في السلاح والظهر . قال الواقدي : وذكروا إنه كان لا يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعثا ، فمشت قريش إلى أبى لهب ، فقالوا له إنك سيد من سادات قريش ، وإنك إن تخلفت عن

--> ( 1 ) اللطيمة : التجارة ، وقيل : اللطيمة : العطر خاصة . ( 2 ) أوعبوا : استعدوا .