ابن أبي الحديد
85
شرح نهج البلاغة
يتجسسان خبر العير ، حتى نزلا على كشد ( 1 ) الجهني بالموضع المعروف بالنخبار ( 2 ) ، وهو من وراء ذي المروة على الساحل ، فأجارهما وأنزلهما ، فلم يزالا مقيمين في خباء وبر حتى مرت العير ، فرفعهما على نشز من الأرض ، فنظرا إلى القوم وإلى ما تحمل العير ، وجعل أهل العير يقولون لكشد يا كشد ، هل رأيت أحدا من عيون محمد فيقول أعوذ بالله ، وأنى لمحمد عيون بالنخبار فلما راحت العير باتا حتى أصبحا ثم خرجا ، وخرج معهما كشد خفيرا ، حتى أوردهما ذا المروة ، وساحلت العير فأسرعت ، وسار بها أصحابها ليلا ونهارا ، فرقا من الطلب ، وقدم طلحة وسعيد المدينة في اليوم الذي لقى رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا ببدر ، فخرجا يعترضان رسول الله صلى الله عليه وآله ، فلقياه بتربان - وتربان بين ملل والسالة على المحجة ، وكانت منزل عروة بن أذينة الشاعر - وقدم كشد بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وآله ، وقد أخبر طلحة وسعيد رسول الله صلى الله عليه وآله بما صنع بهما ، فحباه وأكرمه ، وقال : ألا أقطع لك ينبع قال : إني كبير ، وقد نفد عمري . ولكن اقطعها لابن أخي ، فأقطعها له ( 3 ) . قالوا وندب رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين ، وقال هذه عير قريش ، فيها أموالهم لعل الله أن يغنمكموها . فأسرع من أسرع ، حتى أن كان الرجل ليساهم أباه في الخروج ، فكان ممن ساهم أباه سعد بن خيثمة ، فقال سعد لأبيه إنه لو كان غير الجنة آثرتك به ، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا ، فقال خيثمة آثرني وقر مع نسائك ، فأبى سعد ، فقال خيثمة إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم ، فاستهما ، فخرج سهم سعد ، فقتل ببدر . وأبطأ عن النبي صلى الله عليه وآله بشر كثير من أصحابه ، وكرهوا خروجه ، وكان في ذلك كلام كثير واختلاف ، وبعضهم تخلف من أهل النيات والبصائر ، لم يظنوا أنه يكون قتال ، إنما هو الخروج للغنيمة ، ولو ظنوا أنه يكون قتال لما تخلفوا ، منهم أسيد
--> ( 1 ) في الإصابة : كسد بالسين المهملة وما أثبته من الأصول يوافق ما في المغازي . ( 2 ) في مغازي الواقدي : ( النخبار من وراء ذي المروة على الساحل ) . ولم أجده في ياقوت . ( 3 ) الخبر في الإصابة 3 : 377 .