ابن أبي الحديد
63
شرح نهج البلاغة
وتلقوا بيع الأبطحين محمدا * على ربوة في رأس عنقاء عيطل وتأوي إليه هاشم ، إن هاشما * عرانين كعب آخر بعد أول فان كنتم ترجون قتل محمد * فروموا بما جمعتم نقل يذبل فانا سنحميه بكل طمرة * وذي ميعة نهد المراكل هيكل وكل رديني ظماء كعوبه * وعضب كإيماض الغمامة مفصل * * * قلت كان صديقنا علي بن يحيى البطريق رحمه الله ، يقول لولا خاصة النبوة وسرها لما كان مثل أبى طالب - وهو شيخ قريش ورئيسها وذو شرفها - يمدح ابن أخيه محمدا ، وهو شاب قد ربى في حجره وهو يتيمه ومكفوله ، وجار مجرى أولاده بمثل قوله : وتلقوا ربيع الأبطحين محمدا * على ربوة في رأس عنقاء عيطل وتأوي إليه هاشم ، إن هاشما * عرانين كعب آخر بعد أول . ومثل قوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمه للأرامل يطيف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل . فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابي من الناس ، وإنما هو من مديح الملوك والعظماء ، فإذا تصورت إنه شعر أبى طالب ، ذاك الشيخ المبجل العظيم في محمد صلى الله عليه وآله ، وهو شاب مستجير به ، معتصم بظله من قريش ، قد رباه في حجره غلاما ، وعلى عاتقه طفلا ، وبين يديه شابا ، يأكل من زاده ، ويأوى إلى داره ، علمت موضع خاصية النبوة وسرها ، وإن أمره كان عظيما ، وإن الله تعالى أوقع في القلوب والأنفس له منزلة رفيعة ومكانا جليلا .