ابن أبي الحديد
58
شرح نهج البلاغة
وزاحم جميع الناس عنه وكن له * وزيرا على الأعداء غير مجاف وإن غضبت منه قريش فقل لها * بنى عمنا ما قومكم بضعاف وما بالكم تغشون منه ظلامة * وما بال أحقاد هناك خوافي فما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا * وما نحن فيما ساءهم بخفاف ولكننا أهل الحفائظ والنهى * وعز ببطحاء المشاعر واف قال محمد بن إسحاق : فلما طال البلاء على المسلمين والفتنة والعذاب ، وارتد كثير عن الدين باللسان لا بالقلب ، كانوا إذا عذبوهم يقولون نشهد أن هذا الله وإن اللات والعزى هي الآلهة ، فإذا خلوا عنهم عادوا إلى الاسلام ، فحبسوهم وأوثقوهم بالقد وجعلوهم في حر الشمس على الصخر والصفا ، وامتدت أيام الشقاء عليهم ولم يصلوا إلى محمد صلى الله عليه وآله لقيام أبى طالب دونه ، فأجمعت قريش على أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم صحيفة يتعاقدون فيها ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ، ولا يجالسوهم ، فكتبوها وعلقوها في جوف الكعبة تأكيدا على أنفسهم ، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي . فلما فعلوا ذلك انحازت هاشم والمطلب ، فدخلوا كلهم مع أبي طالب في الشعب . فاجتمعوا إليه ، وخرج منهم أبو لهب إلى قريش فظاهرها على قومه . . قال محمد بن إسحاق : فضاق الامر ببني هاشم وعدموا القوت ، إلا ما كان يحمل إليهم سرا وخفية ، وهو شئ قليل لا يمسك أرماقهم ، وأخافتهم قريش ، فلم يكن يظهر منهم أحد ، ولا يدخل إليهم أحد ، وذلك أشد ما لقى رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته بمكة . قال محمد بن إسحاق : فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ألا يصل إليهم