ابن أبي الحديد

37

شرح نهج البلاغة

أن يصرح لمعاوية في مكتوبه بباطن الحال ، ويقول له : أنا منصوص على من رسول الله صلى الله عليه وآله ، ومعهود إلى المسلمين أن أكون خليفة فيهم بلا فصل ، فيكون في ذلك طعن على الأئمة المتقدمين ، وتفسد حاله مع الذين بايعوه من أهل المدينة ، وهذا القول من الامامية دعوى لو عضدها دليل لوجب أن يقال بها ، ويصار إليها ، ولكن لا دليل لهم على ما يذهبون إليه من الأصول التي تسوقهم إلى حمل هذا الكلام على التقية . فأما قوله عليه السلام ( وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله ) ، فيجب أن يذكر في شرحه ما يقول المتكلمون في هذه الواقعة . قال أصحابنا المعتزلة رحمهم الله : هذا الكلام حق وصواب ، لان أولياء الدم يجب أن يبايعوا الامام ويدخلوا تحت طاعته ، ثم يرفعوا خصومهم إليه ، فان حكم بالحق استديمت إمامته ، وإن حاد عن الحق انقضت خلافته ، وأولياء عثمان الذين هم بنوه لم يبايعوا عليا عليه السلام ، ولا دخلوا تحت طاعته ثم ، وكذلك معاوية ابن عم عثمان لم يبايع ولا أطاع ، فمطالبتهم له بأن يقتص لهم من قاتلي عثمان قبل بيعتهم إياه وطاعتهم له ظلم منهم وعدوان . فان قلت : هب أن القصاص من قتلة عثمان موقوف على ما ذكره عليه السلام ، اما كان يجب عليه لا من طريق القصاص أن ينهى عن المنكر وأنتم تذهبون إلى أن النهى عن المنكر واجب على من هو سوقة ، فكيف على الامام الأعظم . قلت هذا غير وارد هاهنا ، لان النهى عن المنكر إنما يجب قبل وقوع المنكر ، لكيلا يقع ، فإذا وقع المنكر ، فأي نهى يكون عنه وقد نهى علي عليه السلام أهل مصر وغيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارا ، ونابذهم بيده ولسانه وبأولاده فلم يغن