ابن أبي الحديد
19
شرح نهج البلاغة
وأنا مؤديه إليكم ، أمر ألا تستخفوا بسلطان الله ، وألا تجترئوا [ على الله ] أن تأخذوا كل من قدم عليكم من أهل المدينة في هذا الامر ، فتردوه إلى المدينة ، حتى تجتمع الأمة على إمام ترتضي به ، انها فتنة صماء ، النائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان خير من القاعد ، والقاعد خير من القائم ، والقائم خير من الراكب ، فكونوا جرثومة من جراثيم العرب ، أغمدوا سيوفكم ، وأنصلوا أسنتكم ، واقطعوا أوتار قسيكم ، حتى يلتئم هذا الامر ، وتنجلي هذه الفتنة . قال أبو جعفر رحمه الله : فرجع ابن عباس إلى علي عليه السلام ، فأخبره ، فدعا الحسن ابنه عليه السلام وعمار بن ياسر ، وأرسلهما إلى الكوفة ، فلما قدماها كان أول من أتاهما مسروق بن الأجدع ، فسلم عليهما ، وأقبل على عمار ، فقال يا أبا اليقظان ، علام قتلتم أمير المؤمنين قال : على شتم أعراضنا ، وضرب أبشارنا . قال : فوالله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به ، ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين . ثم خرج أبو موسى فلقى الحسن عليه السلام فضمه إليه ، وقال لعمار : يا أبا اليقظان أغدوت فيمن غدا على أمير المؤمنين ( 1 ) ، وأحللت نفسك مع الفجار قال : لم أفعل ، ولم تسوءني فقطع عليهما الحسن ، وقال لأبي موسى : يا أبا موسى لم تثبط الناس عنا ، فوالله ما أردنا إلا الاصلاح ، وما مثل أمير المؤمنين يخاف على شئ ، قال أبو موسى : صدقت بأبي وأمي ولكن المستشار مؤتمن ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول ( ستكون فتنة ( 2 ) . . . ) وذكر تمام الحديث . فغضب عمار وساءه ذلك ، وقال : أيها الناس ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك له خاصة ، وقام رجل من بنى تميم فقال لعمار أسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء ، وتسافه أميرنا اليوم وثار زيد بن صوحان وطبقته ، فانتصروا لعمار ، وجعل أبو موسى يكف الناس ويردعهم عن الفتنة . ثم انطلق حتى صعد المنبر ، واقبل زيد بن صوحان ومعه كتاب من عائشة إليه خاصة ، وكتاب منها إلى أهل الكوفة عامة ، تثبطهم عن نصرة
--> ( 1 ) الطبري : ( أغدوت فيمن غدا ) . ( 2 ) بقية الحديث : القاعد فيها خير من النائم ، والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب ) .