ابن أبي الحديد
12
شرح نهج البلاغة
الحسن بن علي عليه السلام وعمار بن ياسر ، يستنفران الناس إلى علي عليه السلام ، ومعهما كتابه ، فلما فرغا من قراءة كتابه ، قام الحسن - وهو فتى حدث ، والله انى لأرثى له من حداثة سنه وصعوبة مقامه - فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا فوضع يده على عمود يتساند إليه ، وكان عليلا من شكوى به ، فقال الحمد لله العزيز الجبار ، الواحد القهار ، الكبير المتعال ، ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ) . أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء . واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أمتن علينا بنبوته ، واختصه برسالته ، وأنزل عليه وحيه ، واصطفاه على جميع خلقه ، وأرسله إلى الإنس والجن ، حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان ، وجحد الرحمن ، فصلى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين . أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون ، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - أرشد الله امره ، وأعز نصره - بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب ، وإلى العمل بالكتاب ، والجهاد في سبيل الله ، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون ، فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله . ولقد علمتم أن عليا صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وحده ، وأنه يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ، ثم شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله جميع مشاهده . وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الاسلام ما قد بلغكم ، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله راضيا عنه ، حتى غمضه بيده وغسله وحده ، والملائكة أعوانه ، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ، ثم أدخله حفرته ، وأوصاه بقضاء دينه وعداته ، وغير ذلك من أموره ، كل ذلك من من الله عليه . ثم والله ما دعا إلى نفسه ، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها ، فبايعوه طائعين ، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ، ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه . فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته ، والجد والصبر والاستعانة بالله