ابن أبي الحديد

116

شرح نهج البلاغة

قريش فقالوا خلف هذا الكثيب الذي ترى ، قال : كم هم قالوا كثير ، قال : كم عددهم قالوا : لا ندري ، قال : كم ينحرون قالوا يوما عشرة ويوما تسعة ، فقال القوم : ما بين الألف والتسعمائة ، ثم قال للسقاء : كم خرج من أهل مكة قالوا لم يبق أحد به طعم إلا خرج ، فاقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على الناس ، فقال هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها ، ثم سألهم رسول الله صلى الله عليه وآله هل رجع منهم أحد قالوا نعم رجع ابن أبي شريق ببني زهرة ، فقال صلى الله عليه وآله راشدهم ( 1 ) ، وما كان برشيد ، وإن كان ما علمت لمعاديا لله ولكتابه . ثم قال : فأحد غيرهم قالوا نعم بنو عدى بن كعب ، فتركهم رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال لأصحابه : أشيروا على في المنزل ، فقال الحباب بن المنذر : يا رسول الله ، أرأيت منزلك هذا ، أهو منزل أنزلكه الله ، فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، قال : فإن هذا ليس بمنزل انطلق بنا إلى أدنى مياه القوم ، فإني عالم بها وبقلبها ، فإن بها قليبا قد عرفت عذوبة مائها ، وماؤها كثير لا ينزح ، نبني عليها حوضا ، ونقذف فيها بالآنية فنشرب ، ونقاتل ونعور ( 2 ) ما سواها من القلب . قال الواقدي : فكان ابن عباس يقول : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله فقال : الرأي ما أشار به الحباب فقال : يا حباب ، أشرت بالرأي ، ونهض وفعل كذلك ( 3 ) . قال الواقدي : وبعث الله السماء ، وكان الوادي دهسا - أي كثير الرمل - فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنعهم من المسير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا معه أن يرتحلوا منه ، وإنما بين الطائفتين قوز من رمل . قال الواقدي : وأصاب المسلمين تلك الليلة النعاس ألقى عليهم ، فناموا ولم يصبهم من المطر ما يؤذيهم .

--> ( 1 ) الواقدي : ( أرشدهم ) . ( 2 ) يقال : عور البئر ، إذا كبسها بالتراب . ( 3 ) الواقدي 48 .