ابن أبي الحديد

112

شرح نهج البلاغة

فقام أبو بكر فقال فأحسن ثم قام عمر فقال فأحسن ، ثم قال : يا رسول الله ، إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ، ولا آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلم عزها أبدا ، ولتقاتلنك فاتهب لذلك أهبته ، وأعد عدته ، ثم قام المقداد بن عمرو ، فقال : يا رسول الله لأمر الله ، فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها ( أذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ( 1 ) ، ولكن أذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا . قال الواقدي : برك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر ، وهو على ثمان ليال من مكة إلى اليمن . فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا ، ودعا له بخير ، ثم قال صلى الله عليه وآله : أشيروا على أيها الناس - وإنما يريد الأنصار ، وكان يظن أن الأنصار لا تنصره إلا في الدار ، وذلك أنهم شرطوا أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأولادهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : أشيروا على ، فقام سعد بن معاذ ، فقال : أنا أجيب عن الأنصار ، كأنك يا رسول الله تريدنا قال : أجل ، قال : إنك عسى أن تكون خرجت عن أمر قد أوحى إليك ، وإنا قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به حق ، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة ، فامض يا نبي الله لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما بقي منا رجل ، وصل من شئت ، وخذا من أموالنا ما أردت ، فما أخذته من أموالنا أحب إلينا مما تركت ، والذي نفسي بيده ما سلكت هذه الطريق قط ، وما لي بها من علم ، وإنا لا نكره أن نلقى عدونا غدا ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله يريك منا بعض ما تقر به عينك ( 2 ) .

--> ( 1 ) سورة المائدة 24 . ( 2 ) الواقدي 44 وفيه : ( ما تقر به عينك ) .