فوزي آل سيف
91
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
يكون أمينًا على من استخلف عليهم، وعلى من يدير شؤونهم أن يحمي الأموال كما يحفظ الاستقلال. وأول حمايته أموال الأمة واستقلالها ألّا يحتجب الأموال لنفسه وقراباته وإلا كان خائنًا! لقد أشار أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام إشارة في غاية التعبير، فإنه عندما انتهت حرب الجمل بانتصاره على الناكثين وأراد العودة من البصرة إلى الكوفة. قام في أهل البصرة، وقال لهم: "مَا تَنْقِمُونَ عَلَيَّ يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ"، أي بمساعدتكم الخارجين علي؟ ثم أشار إلى قميصه وردائه، وقال: "فَوَاللهِ لَهُمَا مِنْ غَزْلِ أَهْلِي". ثم أشار إلى صرة في يده فيها نفقته، وقال: "وَاللهِ مَا هِيَ إِلَّا مِنْ غِلَّتِي بِالْمَدِينَةِ". يعني هي من أموالي الشخصية. "فَإِنْ أَنَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكُم بِأَكْثَرَ مِمَّا تَرَوْنَ، فَأَنَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْخَائِنِينَ"[199]. هذا مع أنه قائد منتصر على الخارجين عليه، ولو كان غيره لملأ غرائر جيشه وجيوب جنوده من غنائم المهزومين! ولهذا فإنه عندما حضرته المنية بعد ضربة ابن ملجم كان (مَا تَرَكَ صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ. إِلا سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِهِ أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا خَادِمًا)[200]كما قال ابنه الامام الحسن عليه السلام في تأبينه! هذا مع أنه كان في ذلك الوقت حاكما على دولة بمقاييس هذا الزمان تحتوي على عشرات الدول! وكان خمس بعض مناطقها يقدر بالملايين! وخيانة الأمة قد تتصور بصور متعددة، فإن تسليم استقلالها وتضييع مستقبلها برهنها بمعاهدات مجحفة[201] مع دول أخر هو من أوضح أنحاء الخيانة، وفي تاريخنا الحديث رأينا كيف أن بعض قادة المسلمين قد ضيعوا أراضي مسلمة وسلموها لأعداء المسلمين إما لضعف وجبن في قلوبهم أو لمصالح كانت تلحقهم في ذلك! ومن ذلك اعتبار أن خزينة الدولة هي ملك السلطان والرئيس فليس عليه سوى أن يصدر مرسوما بأن يعطي فلانا كذا من المال، من دون أن ينتظر مناقشة من أحد ولا مساءلة من جهة! وكما قال أحد ملوك أوربا: أنا الدولة والدولة أنا!. وفي درجة دونها عندما يقوم بعض أصحاب السلطة بتقنين قوانين تسمح بمصادرة أموال الأمة، لأشخاصهم أو من يقرب منهم! لقد ذكروا أن مجلسًا للنواب في إحدى الدول الاسلامية، لم يكن يكتمل فيه النصاب، لغياب الكثير من أعضائه (والغياب نحو من الخيانة في الولاية والعمل) إلا في جلسة هي تلك التي كان قد أعلن فيها أنه سيتم مناقشة رفع رواتب ومخصصات النواب أنفسهم! وأسفرت تلك الجلسة التي كان الحضور فيها شبيهًا بالاجماع! عن مجزرة مالية (!) لميزانية الدولة، وأعلن بعدها بأن أعلى راتب مالي في التاريخ السياسي للنواب في العالم هو ما يستلمه أولئك النواب لقاء الحضور (أو عدم الحضور) في عدة جلسات في الاسبوع هذا في الوقت الذي كان عامة الناس في ذلك البلد يعانون ازمات اقتصادية متنوعة من البطالة وقلة العناية الصحية وتعيش البلاد سوءا متناهيا في البنية التحتية!.
--> 199 المجلسي ؛ محمد باقر: بحار الأنوار40/ 325 200 ابن سعد؛ محمد : الطبقات الكبرى - ط العلمية 3 / 28 201 ) آل سيف ؛ فوزي: من أعلام الإمامية / 326..تقدم البريطانيون في سنة 1308هـ بمشروع اتفاقية مع ناصر الدين شاه القاجاري، يقضي بأن يكون محصول التبغ في إيران بكامله محتكرا في بيعه وشرائه للشركات البريطانية على أن تتولى تلك الشركة بيعه وتصديره لمدة خمسين سنة!. وكان التبغ آنئذ هو المحصول الزراعي الأساسي في اقتصاد البلد. وفي مقابل ذلك يضمن البريطانيون لناصر الدين شاه مبلغ (15) ألف ليرة ذهبية في السنة! وهذا يعني (1250) ليرة في الشهر. الأمر الذي يستطيع بعض التجار إعطاءه كما ذكر له التجار ذلك!