فوزي آل سيف

92

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

وبمقارنة بسيطة بين ما يذكر في رواتب رؤساء الدول الغربية وبين نظرائهم في بلاد المسلمين يتبين هول المقارنة! الخيانة في الولاية على الأوقاف. إذا كان من غير المبتلى به لأكثر الناس أن يكونوا في موضع السلطة والرئاسة فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للولاية على الأوقاف، فإن الكثير من الناس يمكن أن يبتلى به، وهنا أيضًا يكمن شيطان الخيانة! إن من المعلوم أن الوقف هو من الأمور الخيرية والبرية التي يُندب إليها ويستحب فعلها في التشريع الإسلامي، بالإضافة إلى أنها ممارسة اجتماعية شائعة، فمن الشائع أن ترى أهل الخير يوقف أحدهم أرضًا، أو بناء، أو بستانًا أو عينًا جارية وهكذا.. مما فيه نحو ثبات واستمرار في العين الموقوفة[202]، وتجدد في المنفعة والفائدة المترتبة عليها. فلو أوقف إنسان أرضًا لكي يصرف عائدها على الفقراء، وأجريت الصيغة، وتم القبض في موارد الإقباض. فهنا لا مجال للتغيير في هذا الوقف، حتى من قبل نفس الواقف، والتغيير هنا والتبديل مما ينطبق عليه قول الله تعالى (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[203]. ولا يستطيع لا الواقف ولا غيره أن يجتهد في هذا مثلًا بأن يقول سأوجه المصرف إلى مؤسسة دينية! أو إلى مجلس عزاء الحسين أو إلى تأسيس مدرسة أو ما شابه! بل لا يمكن الإضافة إليه بأن يقال مثلًا سنعطي الفقراء نصف العائد ونؤسس مكتبة بالنصف الثاني.. وكذلك أيضًا لا يجوز بيعه أو تبديله إلا في موارد محددة[204]. ومن الطبيعي أن يكون ولي على الوقف إما بتعيين الواقف أو بتنصيب الحاكم الشرعي الفقيه المجتهد فيما لا ولي له وحين ولي شخص الوقف، فإن لذلك ضوابط معينة لو تجاوزها فإنه بذلك يكون خائنا لمقتضى الولاية. فلو كان منصوبًا بشخصه دون أن يكون له حق التنصيب والتولية فإن من الخيانة تولية آخرين كأولاده مثلا، من دون الرجوع إلى من له حق تعيين الولي وتنصيبه. فلو عجز عن القيام بشؤون الولاية فإن عليه أن يرجع إلى الواقف إن كان موجودًا أو الحاكم الشرعي إن فقد الواقف ولم يكن هناك نص في الوقفية يعين الولي، ولا يستطيع أن يتصرف من تلقاء نفسه في التعيين والنصب. كذلك فإن من المفروض أن يتم استثمار ذلك الوقف، بالنحو الأحسن وأن تنمى موارده حتى تصرف في جهات مصارفه. فإن أحسن الوالي الولاية – كما هي سيرة المؤمنين– فنعما هي، وأما لو - لا سمح الله – خالف ذلك مثلما يفعل بعض غير الملتزمين، فهو خائن.. ومن تلك الصور المخالفة:

--> 202 هناك خلاف فقهي في إمكان وقف الأموال (بمعنى النقد) والرأي المشهور عدم صحة ذلك. 203 البقرة:181 204 ) السيستاني ؛ السيد علي: منهاج الصالحين 2/ 36: لا يجوز بيع الوقف إلا في موارد: منها: أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به في جهة الوقف مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح، والجذع البالي، والحصير المخرق. ومنها: أن يخرب على نحو يسقط عن الانتفاع المعتد به، مع كونه ذا منفعة يسيرة ملحقة بالمعدوم عرفا. ومنها: ما إذا اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر، من قلة المنفعة أو كثرة الخراج، أو كون بيعه أنفع، أو وقوع خلاف بين الموقوف عليهم أو احتياجهم إلى عوضه، أو نحو ذلك. ومنها: ما إذا طرأ ما يستوجب أن يؤدي بقاؤه إلى الخراب المسقط له عن المنفعة المعتد بها عرفا، واللازم حينئذ تأخير البيع إلى آخر أزمنة امكان البقاء