فوزي آل سيف

90

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

إن من الخيانة: عدم الالتزام بالعقد الموقع بين الطرفين، بأن لا يكون في العمل في الزمان المحدد[195]! ومن الخيانة أن يعمل الموظف المتعاقد مع جهة في عدة أماكن في نفس الوقت، فيوزع وقته على الأماكن المتعددة بالنصف أو الثلث مع أنه يستلم كامل الأجرة لكامل الوقت عن كل مكان وموقع! فتراه موظفا في البلدية يفترض أن يكون من الصباح إلى ما بعد الظهر، وهو أيضًا يعمل في مكتب هندسي أو عقاري ـ في نفس الفترة الزمنية ـ وهو في مكان ثالث، فيوزع فترة العمل تلك على الأماكن الثلاثة، ويستلم منهم راتبا كاملا.. هذا من الخيانة[196]! 4/ ومن الخيانة: تضييع ما ولي عليه الإنسان وعدم إدارته إدارة حسنة، والتضييع هنا قد أخذ فيه جانب التعمد، فلو لم يحصل تعمد في ذلك فقد لا يعد خيانة.. نعم الاهمال وعدم المراقبة، وترك الأمور سائبة مع القدرة على تغييرها وتحسينها، هو كالخيانة. وقد يشير إلى هذا المعنى ما رواه أحدهم عن الامام الصادق قال: "نَظَرْتُ إِلَى الإِمَامِ الصَّادِقِ عليه السلام وَهُوَ يُحَاسِبُ وَكِيلًا لَهُ وَكَانَ الوَكِيلُ يَكْثُرُ مِنْ قَوْلِ: وَاللهِ مَا خُنْتُ"، فقال له: "يَا هَذَا خِيَانَتُكَ وَتَضْيِيعُكَ عَلَيَّ مَالِي سَوَاءٌ"[197]. وسيأتي تفصيل ذلك. أولياء السلطان والأوقاف.. أمانة أو خيانة؟ (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). قد صنفنا الخيانة إلى أصناف، منها: الخيانة في الولايات: بمعنى أن يتولى الإنسان ولاية صغيرة أو كبيرة، ثم لا يقوم بشأنها ولا يؤدي ما وجب عليه فيها متعمدًا، هذا يعد خائنًا لمقتضى ولايته تلك. وأبرز الخيانات وأخطرها في الولايات، تلك التي تصدرعن بعض السلاطين الحاكمين في حق الأمة. ولذا ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام: "أَعْظَمُ الخِيَانَةِ: خِيَانَةُ الأُمَّةِ"[198]. ومن يستطيع خيانة الأمة بهذا العنوان العريض، ليس ذلك الرجل العادي المغمور فإن مستواه ودائرة تأثيره لا تكون كبيرة، وإنما هم السلاطين والحكام الفاسدون الذين يستطيعون أن يهدموا مجد الأمة! ويفسدوا شعبها بالكامل! إن القاعدة أن الخليفة أو الحاكم أو السلطان ورئيس البلاد قد أخذ عليه ـ ضمنًا ـ أن يكون حاميًا للبلاد وحافظًا لثرواتها، وسواء كان تعيين هذا الحاكم بتنصيب إلهي أو ديني، أو كان بتنصيب بشري، كانتخاب الشعب أو أغلبيته له، أو كان بتراض اجتماعي فإنه قد أخذ عليه إما بشكل صريح ومباشر أو ضمني أن

--> 195 ) ذكر عن أحدهم عن أنه مع كونه مسؤولا في دائرة مرتبطة بخدمات الناس، إلا أنه لا يترك فاتحة في الصباح في منطقته ـ وقت دوامه ـ إلا وقد حضرها، وهذا من عمى الألوان في حقيقته! فهو لا يترك المستحب الاجتماعي وهو الذهاب لتعزية أهل المتوفى تحديدا في ذلك الوقت، بينما يترك الواجب القانوني الذي يلزمه به العقد والأخلاقي الذي تلزمه به المسؤولية الاجتماعية في قضاء حاجات الناس. 196 (بالطبع لو كان الاتفاق بينه وبين كل مكان على الوقت بأن يكون عاملا في هذه الفترة الزمنية، أما لو كان الاتفاق على العمل بأن يؤدي أعمالا معينة، وأمكنه القيام بها كلها فلا مشكلة. وكذا لو كانت طبيعة عمله استشارية. 197 الكليني ؛ الكافي 5/ 304 198 ) الامام علي ؛ نهج البلاغة 3/ 27