فوزي آل سيف

9

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

السنة، لأجني من كل مائة 4 أو 5، أو أقل! وحديثنا هنا ناظر للموضوع الأخلاقي مع غض النظر عن الحكم الشرعي في هذا السلوك. حتى إذا (ربح) هذا المقدار الضئيل من النسبة المئوية، لا يأخذ الأرباح وإنما من جديد يقرر: أن يلحقها برأس المال. ليربح أكثر في سنة أخرى فيتركها سنة، ثانية، ثالثة، ورابعة. وبينما هو يقتر على نفسه، يتنعم أصحاب البنوك بها ويتوسعون ويعيشون حياة أفضل بأموال هذا البخيل الذي دأبه أن يجمعها ويكومها في جيب مالك البنك! وإلى أن يأتيه الموت وهو على هذا الحال، يتمتع الغريب في ماله ويتنعم فيه بينما يحرم نفسه ويمنع الأقربين من الاستفادة من هذه الأموال! فيعيش عيشة الفقراء! احتياطا للمستقبل الذي لن يأتي! وهذا ما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، عندما قال: "عَجَبًا لِلْبَخِيلِ! يَتَعَجَّلُ الفَقْرَ الَّذِي مِنْهُ هَرَبَ". فهو يعيش الفقر الفعلي الحاضر من خوف فقر مستقبلي لا يعلم هل يأتي أو لا يأتي! ها هو الآن يعيش الفقر لعشرين أو ثلاثين سنة، ويبقي أسرته أيضًا في ظل هذه العيشة الصعبة، وقد يخسر حب زوجته وود أولاده، وربما انفصلوا عنه وتركوه! او دخلوا معه في نزاعات، هذا فضلا عن المجتمع الذي يتحاشاه ولا يحترمه! إذ السخاء هو طريق مودة الناس.. حتى إذا انقضت هذه الأيام حوسب في الآخرة حساب الأغنياء وأنه من أين اكتسب هذه الأموال وما هي مصادرها! وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصة أحد المسلمين البخلاء في عصر النبي صلى الله عليه وآله، مبيّنًا فيها أن البخل قد يسبب النفاق: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)[15]. وحيث أن القصة قد وقعت محلا لجدل طويل عريض نوردها بتمامها ونشير إلى رأينا: فقد نقل ابن جرير الطبري[16] في تفسيره القصة هكذا: عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع الله أن يرزقني مالا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا ثعلبة قليل تؤدِّي شكره خير من كثير لا تطيقه! قال: ثم قال مرة أخرى فقال: أما ترضى أن تكون مثل نبيِّ الله، فو الذي نفسي بيده، لو شئتُ أن تسيرَ معي الجبال ذهبًا وفضة لسارت! قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوتَ الله فرزقني مالا لأعطينّ كلّ ذي حق حقه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ارزق ثعلبة مالا! قال: فاتَّخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدُّود فضاقت عليه المدينة، فتنحَّى عنها فنـزل واديًا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت فتنحّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة. فطفق يتلقَّى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل ثعلبة؟ فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة! فأخبروه بأمره، فقال: يا ويْحَ ثعلبة! يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! قال: وأنـزل الله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [سورة التوبة: 103] الآية، ونـزلت عليه فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين على الصدقة رجلا من جهينة ورجلا من سليم وكتب

--> 15 التوبة: 75ـ 77 16 تفسير الطبري 14/ 371 ومثله أسباب النزول للواحدي 1/ 252، وإنما نقلنا الخبر من تفسير الطبري باعتبار أنه وقع محلا للثناء من السيوطي في الإتقان ج2 ص190 بعد ذكر جماعة ممن يذكرون التفسير بالأسانيد كابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما "ثم ألف في التفسير خلائق فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال تترى فدخل من هنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل..