فوزي آل سيف
10
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
لهما كيفَ يأخذان الصدقة من المسلمين وقال لهما: مرَّا بثعلبة وبفلان، رجل من بني سليم، فخذا صدقاتهما! فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه إلا جزية! ما هذه إلا أخت الجزية! ما أدري ما هذا! انطلقا حتى تفرُغا ثم عودا إليّ. فانطلقا وسمع بهما السُّلمي فنظر إلى خِيار أسنان إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهم بها. فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال: بلى، فخذوه فإنّ نفسي بذلك طيّبة وإنما هي لي! فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرَّا بثعلبة فقال: أروني كتابكما! فنظر فيه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية! انطلقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة! قبل أن يكلِّمهما ودعا للسلميّ بالبركة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلميّ فأنـزل الله تبارك وتعالى فيه: " وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ"، إلى قوله: (وبما كانوا يكذبون)، وعند رسول الله رجلٌ من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة! قد أنـزل الله فيك كذا وكذا! فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته. فقال: إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك! فجعل يَحْثِي على رأسه التراب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني! فلما أبَى أن يقبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى منـزله وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئًا. انتهى. ولدينا هذه الملاحظات في ظلال هذه القصة: 1/ أن هذه القصة قد أحرجت القائلين بعدالة الصحابة أجمعين وأنهم أفضل الناس بعد النبي وأنهم من أهل الجنة.. فإن من الواضح أن صاحب القصة هو من أصحاب النبي بشهادة مخاطبته للنبي وسؤاله إياه أن يدعو له بالغنى والثروة، وقد أشارت الآيات المباركات إلى بعض ما جاء في القصة من معاهدة هذا الرجل للنبي بأنه سيتصدق ويكون من الشاكرين لكنه أخلف الله ما وعده! وأن نتيجة ذلك كانت: ابتلاءه بالنفاق! وسواء قلنا كما ذهب إليه بعض المفسرين أن فاعل (أعقبهم) هو البخل يعني أن البخل أنتج النفاق، أو أن الفاعل هو (الله سبحانه). فهذا لا يغير المطلوب. ولأنها تسبب هذا الحرج الكبير حتى لتأتي على أساس تلك الفكرة، فقد جهد المحدثون والرجاليون منهم في تضعيف القصة بكل طرقها تارة، وبادعاء وجود أشخاص متعددين وليس واحدا كبطل للقصة، وغير ذلك! كما أن بعضهم سلك طريقا آخر لتكذيبها بافتعال تعارض بين ما رووه عن النبي من أنه قال: لعل الله اطلع إلى اهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! وقيل إن حاطب هو أحد من شهد بدرا، فإذن لا يمكن أن يكون قد أعقب نفاقا في قلبه! ونقول: إن المشكلة لا تزال باقية فإما أن تكون الآية غير صحيحة! أو أن الحديث المذكور غير تام! أو أنه لو صح فتفسيره بما هو معروف غير صحيح! 2/ إن ما حصل من نفي المفسرين والمحدثين لهذه القصة ليدل دلالة واضحة على مقدار تدخل العقائد في نفي وإثبات الحقائق التاريخية، فإن من هؤلاء من لا يتردد في نفي حقيقة ثابتة وقصة واقعة، لأنها تعارض بعض عقائده وتنافيها. وفي المقابل محاولة تقوية رواية ضعيفة وحشد الشواهد لها من أجل أنها تعضد بعض عقائده وآرائه! فكم من التاريخ قد ألغي وكم من المفتعلات والمصطنعات قد قوي؟