فوزي آل سيف

85

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

ولا يتحدد الأمر بأمراض الإنسان أو أمواله، بل يشمل مشاكله وقضاياه، فلو أخبرني شخص ـ باعتباري مثلا مستشارًا اجتماعيًا أو أخصائيًا نفسيًا ـ عن مشكلة نفسية عنده، أو أزمة بينه وبين زوجته، أو غير ذلك فلا يسوغ لي أن أكشفها لآخرين إذا كان لا يرضى بذلك، ما لم يأت عنوان آخر مسوغ للكشف والإخبار! نعم، ربما ولأجل نشر الفائدة أو التحذير من المشاكل، يمكن أن يعمم الموجه التربوي أو الخطيب الاجتماعي المثالَ، ويحذف الخصوصيات المعرّفة بأشخاص المشكلة، ويتحدث عنها لكي يحذر الناس، وهذا ما قيل أن رسول الله صلى الله عليه وآله. كان يصنعه، فإنه إذا أراد أن يحذر من انحراف أو مشكلة اجتماعية، كان يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا. وأسوأ من كل ذلك ما إذا قام أحد الشريكين الزوجين بكشف وإفشاء خصوصيات الشريك الآخر[183]؛ ولا سيما إذا حصل بينهما الفراق والطلاق! فإنه يشير إلى وضاعة نفس الكاشف والمفشي! كيف يصنع ذلك وقد ائتمنته على ما لا يؤتمن غير الزوج (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)[184]، وهكذا لو انعكست الآية فقامت هي بنشر أسرار زوجها الخاصة! كل هذا يدخل بنحو من الأنحاء ضمن لزوم الحفظ وعدم الإفشاء وأن المجالس بالأمانات، ولذا نجد أن في فتاوى العلماء، يحتاطون بلزوم الكتمان حتى لو لم يأخذ عليه العهد بذلك! وسأنقل فتويين، وفيهما (كل الصيد)؛ الأولى: جواب المرحوم الشيخ التبريزي أعلى الله مقامه على سؤال: هل يجب على المؤمن كتمان سر أخيه المؤمن إذا أسرّه، سواء أخذ عليه العهد بعدم إباحته للغير أم لم يأخذ؟ والجواب: الأحوط وجوبا الكتمان فإن المجالس بالأمانات[185]. والثانية وهي أكثر دلالة، فإنها تمنع حتى إفشاء السر الايجابي والمدح، إذا لم يكن صاحب السر يقبل بذلك! ففي استفتاء للسيد محمد سعيد الحكيم هكذا: شخص يفعل المستحبات ولا يريد أحدا أن يراه أو يتحدث عنه بفعل المستحبات ولكن شخص آخر تحدث عنه فهل تعتبر غيبة أو لا لأنه لا يجوز التحدث بفعلها؟ وكان الجواب: ليس ذلك من الغيبة المحرمة. نعم إذا اطلع شخصاً على عمله وأسر إليه به وشرط عليه الكتمان لم يجز له أن يكشف ستره لان المجالس بالأمانات لا لأنه من الغيبة![186]

--> 183 عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم. ( 184 النساء: 21 185 التبريزي ؛ الميرزا جواد: صراط النجاة - ج٦ / 430 186 الحكيم، السيد محمد سعيد: الفتاوى/ أسئلة وأجوبة1 /159