فوزي آل سيف
66
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
إن هؤلاء الذين لا يعرف بعضهم بعضًا، وربما لم يلتقوا في طريق قبل هذا اليوم، إنما تم تعريفهم ببعضهم من خلال الصورة الحاقدة التي رسمها كلٌّ منا للآخر لذلك رأينا سهولة القتل وكثرته وعنفه بين هذه الفئات! في مقطع من مقابلة تلفزيونية مع أحد الدواعش، عندما سأله المذيع عن عدد من قتلهم (والأكثر منه بشكل تصفية فردية، بالذبح وأمثاله)، ففكر قليلًا ثم قال: حوالي 900 شخص!! إنه يقول ذلك وكأنه يتحدث عن أكلة أو شربة ماء! بينما ذلك يعني أنه أزهق 900 روح، وكائن حي يتحرك وله مشاعر وعواطف وارتباطات، وحياة عامة! ومثل هذا الرجل القاتل لم يوجد هكذا من ولادته، ولا في صغره، وإنما تشكل من خلال تعبئة و(سوء تربية) وغرس لأشجار الأحقاد خلال سنوات متتالية حتى أنتجت جزارًا يقتل من يوحد الله ولا تطرف عينه! وينحر وكأنه يذكي ذبيحة! لقد انتهى ذلك القلب (السليم) الذي خلقه الله به ليحل محله دملة متيقحة بالحقد ومتورمة بالبغضاء. فبينما يكون مثل هذا الشخص حاملا لهذا القلب المتقيح، يؤكد شيخ الانبياء وأبوهم ابراهيم الخليل عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام، بأن طريق النجاة هو أن يأتي الإنسان يوم القيامة، بقلب سليم! (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (*)يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (*) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (*)[140]والجدير بالذكر أن القرآن نفسه قد وصف النبي ابراهيم بأنه (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)،[141]ولتوضيح أبعاد هذا القلب ننقل ما ذكره الشيرازي في تفسيره الامثل حيث قال: " إنّ كلمة (سليم) مشتقّة من (السلامة)، وعندما تطرح السلامة. بصورة مطلقة، فإنّها تشمل أيضًا السلامة من كلّ الأمراض الأخلاقية والعقائدية. فالقرآن الكريم يقول بشأن المنافقين (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً)، أي إنّ قلوبهم مصابة بنوع من أنواع المرض، وإنّ الله سبحانه وتعالى أضاف أمراضاً اُخرى إلى ذلك المرض على أثر لجاجتهم وارتكابهم المزيد من الذنوب. وأجمل من فسّر عبارة (القلب السليم) هو الإمام الصادق عليه السلام عندما قال: "القلب السليم الذي يلقى ربّه وليس فيه أحد سواه!". حيث جمع بقوله كلّ الأوصاف المذكورة مسبقاً. وقد جاء في رواية اُخرى للإمام الصادق عليه السلام "صاحب النيّة الصادقة صاحب القلب السليم، لأنّ سلامة القلب من هواجس المذكورات تخلص النيّة لله في الاُمور كلّها."[142] وربما لا يحقد المؤمن حتى على المنحرف حقيقة! فضلا عمن كان انحرافه اجتهادًا، بمعنى أنه يحمل اعتقادًا منحرفًا لكن عن سوء فهم، أو يمارس عملًا منحرفًا عن خطأ فكري، وإنما يبغض عمله ومعصيته وأنه لو استطاع أن يهديه للصراط المستقيم فإن يتمنى له ذلك ويُسر باستقامته. وربما دعا له بالهداية. نعم من تمحض بالانحراف و(مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) ومن أصبح رمزا لمحاربة الله تعالى وشريعته من (أئمة الكفر) فأمرهم مختلف، حيث هم محل لعنة الله تعالى ومحل حرب المؤمنين!
--> 140 الشعراء: 87 ـ 89 141 الصافات: 84 142 ) الشيرازي ؛ الشيخ ناصر مكارم: الأمثل في تفسير الكتاب المنزل ١٤/ 345