فوزي آل سيف

67

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

وإذا كان أول المنازل في القدوم على الله تعالى، يتطلب أن يكون هناك قلب سليم خلي من العاهات، فإن الجنة والبقاء فيها تشترط أيضًا نفس الشرط وإلا لا يمكن لمن في قلبه مرض أن يكون في الجنة الطيبة، فإن القرآن ينبئ عن أن المؤمنين في يوم القيامة (بِسَلَامٍ آمِنِينَ (*) ونَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ)[143]. والغِلّ كلمة أصلها "إدخال شي‌ء في شي‌ء يوجب تغيّرًا وتحوّلًا، ومن مصاديقه‌ الغِلُ‌ وهو ما يدخل في القلب و يوجب تحوّله من الصفاء والخلوص الى خلط وانكدار، كالعداوة والبغض والضغن والحقد والحسد والخيانة وغيرها... والغُلُ‌ هو القيد يجعل في رقبة أو يد أو فيهما كأنّه يدخل في الأعضاء بسبب شدّ وقبض فيها يمنعها عن البسط و الحركة و يوجب تغيير حالة فيها"،[144]وكأن العلاقة بينهما واضحة فإن المغلول إلى عنقه لا يستطيع الحركة الطبيعة السلسة بيده أو رقبته، فهو محبوس في غله وقيده، والقلب الوغر والمحتقن الحاقد أيضًا هو كذلك بالنسبة للآخرين فهو غير منطلق، ولا يستطيع أن يكون على طبيعته، فهو لا يستطيع أن يحيي الآخرين بحفاوة ولا يتعامل معهم بصفاء وتبسط! إن الذي يحبسك عن ذلك هو الغِل الداخلي في الصدر.. ولأن المقام دائم في يوم القيامة فهذه الأغلال المانعة عن التفاعل والتواصل بين المؤمنين لا يمكن أن تكون باقية! وهذا لا يأتي بشكل أتوماتيكي وإنما على أثر طلب المؤمنين إياه في الدنيا، فإنهم لمعرفتهم بآثار الحقد والغل الداخلي وما يخلفه من مرض القلب من جهة، وسوء في التعامل مع المؤمنين من جهة أخرى فإنهم يدعون ربهم بالمغفرة لإخوانهم المؤمنين وألّا يجعل في قلوبهم غِلًّا تجاههم (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ).[145]إن هذا الدعاء حين يتكلل بالإجابة تكون له آثار دنيوية وأخرى أخروية حيث يورث (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ). وهذا من الأدعية العظيمة التي يستحب للإنسان أن يدعو بها. رجل من أهل الجنة سليم الصدر وبحسب ما نقل في بعض المصادر فقد أشار النبي صلى الله عليه وآله إلى أحدهم ممن كان سليم الصدر ممن لا يحسد أحدا على ما أعطي، ولا يحقد عليه ولا يغشه! ونبه إليه بأن من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إليه.. وقبل أن نمضي في ذكر الحديث، نوضح ملاحظة وهي أنه قد تكرر من النبي مثل هذه الإشارة إلى بعضهم ولم يكن الغرض الأساس مدح أولئك ليفخروا بها في الدنيا! أو لكي يتأكدوا من مصيرهم مسبقًا، وإنما كان الغرض فيما صح من الحديث عنه فيهم ـ وإلا فالادعاء كثير ـ أن يجعل المسلمين يفتشون عما وراء الاسم لاكتشاف المنهج العام، من خلال تتبع سيرة ذلك الشخص أو سؤاله، وتبين الخطوط السليمة في الأمة وغير السليمة ولذلك نعتقد ـ معشر الامامية ـ أن ما ورد على لسان النبي مما فيه مدح لمالك بن

--> 143 الحجر: 46ـ 47 144 المصطفوي؛ الشيخ حسن: التحقيق في كلمات القرآن الكريم 7 / 256 145 ) الحشر: 10