فوزي آل سيف

6

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

لا يقتصر سلوك الاستبداد على الحاكمين، وإن كان هو الأظهر والأشهر في تاريخ المسلمين وحاضرهم، وما يشاهد بالعيان فهو مستغن عن البرهان! وإنما وكما ذكرنا يتمدد ليصبح حالة اجتماعية نراها في الأسر والعوائل، فمن السهل أن ترى بنتًا معضولة لم تتزوج لأن والدها لا يريد تزويجها أصلًا أو يريد تزويجها إلا لشخص معين، وتمر سنوات عمرها واحدة بعد الأخرى لتتلف زهرة شبابها، بينما تذهب محاولات القريب والبعيد في إقناع أبيها بأن (يتنازل) عن رأيه، ضائعة أدراج الرياح. ذلك أنه قد تعلم من الصغر أن كلمته لا تتثنى! وأنه قد قال قولته! وأن كلمة الرجل واحدة! إلى آخر هذه السخافات. ولا سبيل مع هذا إلا التوسل بالفقه والقانون لرفع ولايته عن ابنته! وتحريرها من رقه وعبوديته. وتجد حالات كثيرة من الاستبداد الأسري فهذا أخ، ليس له من ميزة سوى أنه أكبر سنًّا، يحرم اخته أو أخاه الأصغر من ميراثهما لأنه يرى أن الاحتفاظ بالمال عنده أحسن من وضعه عندهما! ولا يخضع لحكم شرعي يقول له إن الحيلولة بين صاحب الميراث وبين ميراثه حرام شرعًا، ويساوي في بعض درجاته الغصب! وتكون يد هذا الأخ الأكبر يد عدوان على ذلك المال! حين لا يعطي أصحاب المال إلا بمقدار ما يرشح الصخر! والزوج الذي يتحكم بزوجته ويستبد بها فلا يسمح لها حتى بالمطالعة وقراءة الكتب! بينما لا يعطيه الفقه والقانون أكثر من حق الاستمتاع الجنسي والاستئذان في الخروج! إلا أنه يرى نفسه وكأنه مالك لهذه (الجارية)! فلماذا يفعل هؤلاء مثل هذه الممارسات؟ إن أحد الأسباب المهمة في ذلك هي أن هذه الإنسان لا يعرف حدوده! ولا يرى نفسه عبدا حقيقيا لله. ولا يفهم رسم العبودية، يمارس أفعال العبادة، فيصوم ويصلي ويحج لكن حقيقة العبودية مفقودة في داخله.. إن حقيقة العبودية هي التي نقرأها في الدعاء: (اَللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ لَكَ عَبْداً دَاخِراً لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لاَ ضَرّاً وَ لاَ أَصْرِفُ عَنْهَا سُوءاً أَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِي وَ أَعْتَرِفُ لَكَ بِضَعْفِ قُوَّتِي وَ قِلَّةِ حِيلَتِي فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي وَ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، وَ أَتْمِمْ عَلَيَّ ما آتَيْتَنِي، فَانِّي عَبْدُكَ الْمِسْكِينُ الْمُسْتَكِينُ، الضَّعِيفُ الْفَقِيرُ الْمُهِين)[11]. هذا الموقع مختلف تمامًا عن الموقع الذي يراه المستبد لنفسه، فالعبد يرى أنه لا يملك أمر نفسه، ولا يستطيع لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا يصرف عنها سوءًا، بينما المستبد يرى أنه يدبر نفسه وغيره وأنه لا يحق لغيره أن يزاحم إرادة المستبد حتى في شؤون ذلك الغير! يقرر على ابنته أو ابنه شيئًا وليس من حق ابنه أو ابنته أن يعترضا عليه أو أن يفكرا بشكل آخر. إن عبد الله يفكر في أن الله سبحانه وتعالى ماذا يأمر في هذا الموضع؟ وما هو الحكم الشرعي الذي يجب أن يجري على الجميع ـ هو وغيره ـ! بينما المستبد لا يرى ذلك! فإن استجابوا له والا فالقوة ـ من أي نوع كانت ـ تحسم الموقف! هو هنا في الواقع لا يفهم شيئا اسمه الحلال والحرام، ويجوز أو لا يجوز.. وإنما يفهم أنه قال كذا ويجب على الجميع أن يستمع ويخضع!

--> 11 الحسني ؛ السيد ابن طاووس: الاقبال بالأعمال الحسنة؛ ط دفتر تبليغات 1/ 348