فوزي آل سيف
54
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وللأسف فإن الشعور بالمحسودية، لم يبق في إطار الأشخاص الفاشلين بل ربما صار في عالم السياسة شعارا لبعض المجتمعات العربية والمسلمة، فنرى كلمات بعض كتاب الصحف، إذا أعوزته الفكرة الناضجة والمقالة المحترمة، ذهب وراء شعار: نحن محسودون على هذه النعمة التي نحن فيها؛ ولذلك يتآمر علينا الغرب! نحن المسلمون محسودون! نحن العرب محسودون ولذلك يتآمرون علينا! لهؤلاء يقال: تيقظ! والتفت! يكفي نرجسية! فلا أحد يعرفك فضلا عن أن يهتم فيك، ويشغل نفسه بحسدك! هل هذا الإنسان جاد عندما يفكر أن الغرب والشرق جاثون على ركبهم منشغلون بالحسد لهذا الكاتب أو بلده أو مجتمعه؟ وأنهم لا شغل لهم إلا حسد هذا الشخص ومجتمعه؟ خفف عليك!. فما هي قيمة مجتمعنا ودولنا حتى ينشغل بنا الناس؟. إن هذه الحالة لتشير إلى أن الشعور الخاطئ بالمحسودية قد يكون على مستوى الأفراد العاديين، وهذا يؤثر بمقدار محدود. لكن حين يصبح عقيدة لدى قادة الرأي وموجهي الثقافة، فهو أمر في غاية الخطورة. لأنه يحاول إقناع أبناء المجتمع بأن المستوى الذي يعيشه هذا المجتمع هو القمة التي تنظر إليها باقي الشعوب حاسدة مكبوتة! والحال أن مجتمعاتنا لا تزال تعيش ظروف التخلف في شتى مجالاته! هذا الشخص يقتنع بأن هناك من جلس يفكر فيه ليل نهار ويجهز جلسات الحسد (!) له.. لم يتساءل لماذا لم يحسد أولئك الحسدة بيل غيتس؟ ووارن بافت؟ وأباطرة المال والصحافة في العالم؟ فيعيش البعض هذا الهاجس الذي يكشف عن نرجسية واعتداد بالنفس لا حدود له، واعطاء شخصية قيمة لا تستحقها! على أنه لو حصل حسد من بعض الأشخاص لمن يملك نعما كثيرة، فإنه قد تقدم أنه لا يؤثر فيه بشيء ولا يضره بمقدار أنملة، ما لم يتحول إلى فعل كيدي شرير. هل نحن حسدة؟ بعدما تبين أن الشعور بالمحسودية هو مبالغ فيه غالبا ووهمٌ ينبغي أن يتساءل الإنسان بشكل معكوس: هل أنا حاسد لغيري نعمته؟ هل يمكن أن أكون حسودا؟ ربما لو اتهمك شخص بذلك تنكر وتدافع عن نفسك! ولكن من الصحيح أن يسأل الإنسان نفسه وأن يمتحن ـ بمعايير معينة ـ سلوكه لينتهي إلى نتيجة إيجابية في الجواب أو سلبية! مقاييس وجود الحسد: 1/ مقياس الغيرة وهي منشأ للحسد. فإذا كان شخص يغار من آخر ولا يسيطر على غيرته، فهذه بداية غرس لشجرة الحسد! وينبغي أن أشير هنا إلى أمر تربوي مهم، وهو: أننا قد نزرع بذور الحسد في نفوس أطفالنا، من دون أن نشعر. فعندما يأتي ابننا إلى البيت، وقد انتهى من الامتحانات، لكن لم يحصل على الدرجة الكاملة بينما حصل زميله فلان عليها نعاتبه: لماذا هو أحسن منك؟ ماذا ينقصك أنت؟ لماذا لا تصبح أحسن منه؟ وبالرغم من أن قصد الوالدين هنا هو تشجيعه كي يتفوق، لكن هذا الأسلوب ينشئ فيه الحسد. ويذكي فيه نيران الغيرة من زميله، إذ مدحته ولم أمدح ابني. وهنا قد لا يكون الابن ذا قدرة على منافسة زميله أو قد يكون.. وفي الحالين فقد وجهته إلى أن المهم أن يكون ذلك الشخص دونه! وأن يزول عنه التفوق، فيظل يتمنى له التأخر بل الرسوب، حتى لو كان ابني لم يحصل على درجة أعلى منه! فالمهم عنده الآن أن يكون ذلك الزميل فاقدا للتفوق، ويا ليت يتعثر في الامتحان! ونفس الكلام عندما يكبر يقال له بنفس الطريقة والاسلوب: لماذا لست مثل ابن عمك؟ أو ابن خالك؟ هم كذا وكذا! فيكون همه أن يطعن