فوزي آل سيف

55

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

فيهم، وأن يتمنى أن لو لم يكونوا موفقين! ولذلك لو حصل للزميل الأول أو لابن العم والخال نكبة (دراسية أو أخلاقية) ترى هذا الابن يأتي بالخبر لأبيه وكأنه منتصر! وقد حصل على حاجته! بل ربما (دعا) على أولئك بعدم التوفيق! ويعد فشلهم انجازا له، ويرتاح لهذا! إنني من دون أن أقصد زرعت فيه بذرة الحسد وسقيتها بماء الغيرة فأنتجت هذا النتاج. ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه هل هو من أهل الغيرة ـ بمعناها المذكور قبل قليل ـ وهل أنا زارع بذرتها في أسرتي؟ إذا كان كذلك فينبغي أن أترقب شجرة الحسد نامية! هل إذا رأيت شخصًا موفقًا هل أغار منه، أم أتمنى له أن يبقى على ما هو عليه، وأن يكون لي مثله؟ إذا بدأت الغيرة، فمعنى ذلك: أنني قد بذرت بذرة الحسد في نفسي أو في ابني أو في زوجتي. آتي إلى الزوجة وأقول لها: اليوم أكلت من يد فلانة زوجة فلان أكلًا طيبًا، ما أكلت ولا سآكل مثله.. وأبدأ في وصف تلك الأكلات والترتيبات! وقد لا يكون لدى زوجتي من خبرة الطبخ مقدار ما عند تلك المرأة.. فماذا تصنع؟ ربما تحقد على تلك وقد تتمنى أنها لا تستطيع بعد ذلك أن تطبخ بنفس الجودة حتى لا يأتي زوجها يعيرها بها ويستثير بها غيرتها عليه، بل تتمنى لو تحصل لها مشكلة (طلاق أو فضيحة..) بحيث تأتي بخبرها لزوجها على أنه انتصار لها. ربما لم أكن قاصدًا استثارة غيرتها وحسدها وإنما كنت أحب تحريضها على الاهتمام بالطبخ بشكل أفضل. لكن هذا الأسلوب خاطئ حيث غرست في نفسها الغيرة التي هي بداية للحسد. وهكذا في عكس المسألة عندما تأتي الزوجة، وتتحدث مع زوجها عن أنها كانت في زيارة فلانة القادمة من سفرة أوربا والتي استمتعت فيها مع زوجها!! وأما هي نفسها فلا نصيب لها من السفر! فتستثير في الزوج غيرة يتمنى معها أن لو لم توفق تلك المرأة وزوجها للسفر، ويا ليت أنهم لا يتوفقون بعدها! 2/ مقياس الألم من مدح الغير: من مقاييس الحسد وهو سريع النتيجة تألم الحاسد من مدح الغير! وهي على مراحل: فقد يتصور هذا الشخص أنك بمدح ذاك تذم هذا المستمع!! فإذا كان عالم دين مثلا ومدحت عالمًا آخر أمامه.. وأثنيت على بحثه العلمي، أو على نشاطه الاجتماعي، أو على التزامه بصلاة الجماعة.. أو أتيت ببعض نقاط فضله.. يتصور هذا أنك تذمه بمدح غيره! وهذه أولى درجات الغيرة، ومنها يتفرع الحسد! وكأنك ما دمت تحادثه فلا بد أن تمدحه هو حصرا! وإذا مدحت غيره فقد أسأت الأدب أمامه! ليس الأمر هكذا ولكن هذه النفس تحتاج إلى إصلاح! قسم من الناس عندما تمدح أمامه شخصا، يتصور أنك تذمه هو أي السامع! كلا، أنا أمدح فلان حاليًّا، ولا أقول إنك إنسان سيء. أقول: هو عالم جليل. ولم أقل: إنك غير عالم. أقول: موظف مثابر. ولم أقل: أنت كسول. أقول: هي زوجة مدبرة، ولم أقل: ليس عندكِ تدبير. فإذا صار الإنسان يتألم من مدح غيره، فهذه بداية للحسد. لا بد أن يراقبها الإنسان. فأنت تتألم لأن زيدًا إنسان موفق وممدوح ومثني عليه. ما الذي يضرك لو أن إنسانًا مُدح وأثني عليه؟ ما الذي يحز في قلبك؟ ماذا يؤلمك؟ بماذا تتضرر؟ ماذا ينقصك؟