فوزي آل سيف
53
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
فإنه يستهويه خسارة شريكه ومنافسه في التجارة أكثر مما يستهويه ربحه الشخصي، وترى يوم عيده عندما يغلق ذلك الشريك محل تجارته عن خسارة! وعندما يفتضح منافسه عن ادعاء خيانة! وعندما تطلق محسودتها من زوجها وتنهدم حياتها الأسرية! فهؤلاء يشعرون بلذة ما بعدها لذة! وقد صور بعض الأدباء جانبا من نفسية الحسود فقال: " حياتك موته وموتك عرسه وسروره! يصدق عليك كل شاهد زور ويكذب فيك كل عدل مرضي لا يحب من الناس إلا من يبغضك ولا يبغض إلا من يحبك ".[116] هل نحن حاسدون أم محسودون؟ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ. مِن شَرِّ مَا خَلَقَ. وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ. وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ. وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)[117]. يفكر البعض من الناس أنهم محسودون، وأن (سر) مشاكلهم المتأخرة هي أنهم تعرضوا لحسد! (وأحيانا لنظرة عين وثالثة لعَمل من الأعمال، ورابعة..) وهذا في الغالب وهم من الأوهام. وقد سبق الحديث في الصفحات الماضية عن أن الحاسد لا يستطيع إضرار المحسود بحسده! ونقلنا قول بعض العلماء من المدرستين: الامامية وغيرها! هذا الوهم الموجود لدى كثير من الناس يغذيه أمور متعددة؛ منها ارتزاق البعض (بمعالجة) آثار الحسد! فهناك من يؤكد لهذا وذاك، وهذه وتلك أنهم تعرضوا للحسد ولذلك فإن أمورهم ليست على ما يرام! والحل؟ هو بيد ذلك الشخص الذي يقول له أنه محسود، وبالطبع بعد دفع القيمة!!وكأن الطرفين يستفيدان (فالمحسود المتوهم) يحصل على تبرير يرضي نفسه، في فشل علاقته الزوجية فهو ليس بسبب عنفه! أو ليس بسبب إهمالها زوجها وبيته وإنما بسبب أن أحدا ما حسدهما! والآخر فشل ابنه في الدراسة لا بسبب لهوه ولعبه وكسله وإنما لأنه محسود! والثالث انحرف في مسيرته ليس بسبب عدم وجود توجيه سليم له، وإنما كان كالوردة فحسدوه فتغير!! هذا من طرف من يدفع المال! وتلك فائدته، وهذا الذي يقنع الآخرين بأنهم محسودون وأن الحل الناجع عنده، يحصل على أثمان لأتعابه (!) في إقناعهم بتلك المسرحية.. ولهؤلاء مواقع على الانترنت، واستعمال للتكنولوجيا!! وإن كانت الفكرة متخلفة جاهلة.. فيكفي أن تكتب ما هي علامات الحسد؟ وكيف أعلم أنني محسود؟ حتى تأتيك المقالات عن: إحساس بالدوخة والكتمة!! ووجع البطن! والتعرق.. وكأنه طبيب قلب يشخص أعراض أزمة قلبية قادمة! إنهم يخاطبون في الناس نقاط ضعفهم وهي الخوف من الاعتراف بالفشل والأسباب الحقيقية لذلك، يصعب على الكثير أن يقولوا فشلنا لأننا لم نخطط جيدا! ولم نعمل بجدية كافية! فإذا رأى أحدا يرفع عنه هذا الحِمل ويخبره أن السبب هو أنه محسود! فهو يقدم له خدمة نفسية تريحه! وتسكت نداء اللوم في داخله!
--> 116 الجاحظ ؛ عمرو بن بحر: الرسائل الأدبية للجاحظ 1/ 122 117 الفلق : 1ـ 5