فوزي آل سيف
52
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
ولقد صدق الشاعر في تحليل هذه النفسية، في قوله: أيا حاسدًا لي على نعمتي أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمه لأنك لم ترض لي ما وهب 2ـ التطلع للغير والانشغال بهم: إن من العوامل المفضية إلى الحسد أن يترك الإنسان الحاسد ما لديه ويهمه ويعنيه ويلتفت إلى ما لدى الآخرين، فينشغل بذلك.. ولأنه يكون في عموم حياته هكذا فإنه لا يحصل على التقدم في أي مجال يريده إذ التقدم والنجاح يحتاج إلى أن يعطي الشخص ذلك المجال كامل اهتمامه وجهده وتخطيطه، وحينئذ ربما يصل إلى النتيجة الحسنة أو لا يصل. فإذا كان في طريق تجارة ومال فإنه يحتاج إلى تركيز اهتمامه فيها تخطيطا ومتابعة وعملا جادا حتى يصل.. وهكذا لو كان في طريق علم، أو طريق سياسة وقيادة، أو غيرها من الطرق! فإذا ترك هذا الشخص أموره وانشغل بمراقبة غيره، ومد عينيه لما يصنعه الآخرون، فمن الطبيعي أنه لن يصل إلى نتيجة نجاح ولأنه كذلك فهو ينفَس عليهم، ولا يستطيع أن يتحمل نجاحَهم وفشلَه، وتقدمَهم وتأخَره، وتوفيقهم وتعثرَه، وهكذا تستمر الدوامة وهو يدور فيها يراقبهم فيقصر في أموره، ويقصر في أموره فيفشل، ويفشل فيتألم من نجاحهم ويحسدهم على تقدمهم، ويتمنى لو يزول كل ذلك عنهم، ويصل إليه! ولعلك ترى أخي القارئ أختي القارئة، بعض هؤلاء يملكون من المعلومات عمن يحسدونهم ما لا يملكه أقرب الناس إليهم، أين ذهبوا، وماذا فعلوا وإلى أين سافروا؟ وماذا أنفقوا؟ وأين سكنوا؟ وماذا اشتروا... الخ. وهذا يزيد معاناة الحاسد! ويورطه أكثر فأكثر في مستنقع الحسد! وكأن هناك علاقة جدلية بين مراقبة الناس فيما لا يعنيه وبين فوات ما يعنيه وفشل أهدافه فيها، كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام (من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه)، كما أن الطرف المقابل أيضًا هو كذلك بمعنى أنه من ترك ما يعنيه انشغل بما لا يعنيه مما هو لدى الناس، كما في حديث عنه عليه السلام أيضًا (من اطّرح ما يعنيه وقع إلى ما لا يعنيه)[112]. ربما لهذا السبب كانت توجيهات الإسلام الأخلاقية نحو أن يقصر الإنسان اهتمامه على أموره الخاصة، وأن لا ينشغل بغيره وأن لا يمد عينه إلى ما لدى الآخرين (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى).[113]وكان من علائم (حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه)[114] كما في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي كتاب أمير المؤمنين عليه السلام لابن عباس: فاطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك فإن في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك[115]. 3ـ خبث النفس وتمني الشر للآخرين: كذلك لا نغفل هذا العامل وهو مهم، فإن بعض النفوس فيها من الخبث ما يبعثها على تمني السوء للآخرين، وتجد لذتها في عذابهم وشقائهم، ومن هذه النفوس نفس الحاسد
--> 112 الحديثان من ميزان الحكمة 10/ 283 113 طه : 131 114 الري شهري، محمد: مبزان الحكمة 4 /2790 115 الحراني ؛ ابن شعبة تحف العقول 218