فوزي آل سيف
51
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وإن كان ينكر ذلك ويأباه لنفسه! فإنه لا يوجد أحد يحب أن يُعرّف بأنه حسود، أو يقف على الملأ ويقول أنا أحسد فلانًا على نعمته! وإنما يكتمها وينكرها لو استطاع. وقد يدفع الحسد شخصا ليحرق كل حسناته، ويتلف تاريخه وماضيه، كما حصل لابن أبي العزاقر.. محمد بن علي الشلمغاني فإنه كان من علماء الشيعة ومن الدرجة المتقدمة فيهم، من أصحاب الامام العسكري وفي طبقة سفراء الامام الحجة محمد بن الحسن العسكري عجل الله فرجه، ولديه تأليفات كثيرة (في العقائد والفقه) وكانت هذه منتشرة بين الشيعة، وكان يتوقع أن يكون السفير الثالث بعد العمري وابنه، إلا أنه لما جاء تعيين الحسين بن روح النوبختي حسده على موقعه ورفض التسليم له، حيث لم يكن يراه في هذا المستوى ويرى نفسه أفضل من الحسين بن روح! وكان هذا الحسد بداية انحرافه، تماما مثلما حصل لإبليس الذي رفض تفضيل آدم وسجوده والملائكة له فكان أن طرد هذا من رحمة الله، وذاك من دائرة قادة الشيعة وعلمائهم، وصدر اللعن والطرد من الإمام عليه السلام. يقول الشيخ النجاشي رحمه الله ـ وقد ذكر سبعة عشر كتابا من مؤلفاته ـ: "محمد بن علي الشلمغاني، ويعرف بابن أبي العزاقر، له كتب وروايات. كان مستقيم الطريقة، متقدمًا في أصحابنا فحمله الحسد لأبي القاسم بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديئة؛ حتى خرجت فيه توقيعات"[108]، يعني: من صاحب الزمان، "بلعنه وطرده". الثاني: لماذا يحسدون؟ يمكن أن نذكر بعض العوامل المؤثرة في حصول الحسد لدى البعض كالتالي: 1/ عدم الرضا بقسمة الله عز وجل، وهو دركات والحسد من تلك الدركات، وأسوأها هو الاعتراض على الله عز وجل وهو يضارع الكفر! والحسد يأتي في ضمن هذه المراتب، ولو تعمق الشخص في ذلك فإنه يصل إلى هذا المعنى: لماذا فلان غني وأنا لست كذلك؟ ثم بعد قليل كأنه يقول: بالتأكيد فإن من أغناه، لا يفهم! كيف يكون هذا؟ أنا أجمل منه! وأسرتي أعلى مقامًا من أسرته! وهذا نفس منطق (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)[109] وبنفس الطريقة فإن فلانًا لديه الشخصية والجاه عند الناس.. لماذا يعطيه الله هذا؟ هل يستحق ذلك؟ وما هي ميزته عليّ؟ وآنئذٍ فهو في الحقيقة يشكك في قِسَم الله عز وجل، وتقديراته وإدارته لخلقه، وأن ما يصدر عنه ليس على النحو الأمثل الذي ينبغي أن يصدر! وكأن في الأمر خطأ مّا! وهو نفس ما انتهى إليه كفار قريش في المسألة الكبرى الاعتقادية: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)[110]. وجواب الله سبحانه العاجل لهؤلاء، أن تلك القِسم المختلفة، كانت وفق الحكمة في البناء الاجتماعي، فلا بد أن يكون المجتمع متمايزا بعض الشيء ليتكامل، ولا يمكن أن يكون كله مستنسخا في نسخة واحدة، فإن هناك حكمة في الأمر، وهي: (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا).[111]
--> 108 النجاشي ؛ أبو العباس: رجال النجاشي 1 / 378 109 الاعراف: 12 110 الزخرف: 32 111 وبالطبع ليس المراد هنا السخرية والاستهزاء وإنما هو التسخير والاستخدام! لبناء الحياة. وهذا لا يعني أن يسخر منه، وإنما ماذا؟ يستخدمه ويسخره فأنت الآن في حياتك الاجتماعية تستخدم الخباز، ورب عملك يستخدمك، والتاجر يستخدم رب العمل، استخداما غير مباشر، ولكن على ضوئه تقوم الحياة الاجتماعية. فلو أن القضية تركت للإنسان نفسه، أي: أنا أقسم، أنا أريد أن أصبح هنا، أو هناك، وأن أكون كذا وكذا. وأنت أيضا، تريد أن تصبح في أعلى الدرجات، وأنا أيضا في أعلى الدرجات، وهذا كذلك في أعلى الدرجات، ورابع، فإنه يختل النظام الاجتماعي. (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ). فالغرض بعد أن (َرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) هو (لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا).