فوزي آل سيف

50

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

يبقى موضوع العين، وهل لها تأثير في (المعيون) أو لا فهذا يحتاج إلى بحث خاص سيأتي الكلام فيه. وهو يختلف عن موضوع الحسد سواء قلنا بوجود تأثير أو نفينا ذلك. أما في هذه الصفحات فنتناول موضوعين: الأول ـ مَنْ يحسد مَن؟ والثاني: دوافع الحسد. ولماذا ينشأ الحسد عند بعض الناس؟ ـ مَنْ يحسد مَن؟ لا يتحدد الحسد بطبقة خاصة، فإنه كما قد يكون موجودا لدى الجهلة، قد يوجد في العلماء أيضًا!! نعم قد تجد عالمًا كبيرًا من حيث المحتوى العلمي، ولكنه برتبة حاسد! وكما قد توجد في الفقراء، قد توجد أيضًا لدى أغنى الأثرياء! ومثلما قد توجد في الأعداء المتنافسين، قد تراها موجودة لدى الأرحام والأقربين!! بل لقد ذُكر في علم الأخلاق عند التعرض لهذا الموضوع: أن الحسد بين المتشابهين أكثر منه بين المختلفين، وفي الأقربين أكثر منه في الأباعد. ومعنى كونه أكثر في المتشابهين، أن البقال مثلا لا يحسد لاعب الكرة، ولكن قد يحسد البقال الآخر الذي يعمل نفس عمله، ويبعد عنه بمقدار قليل من المسافة! لأنه لا جامع بينه وبين لاعب الكرة، والبطل الأولمبي، ولكن يوجد بينه وبين البقال نقطة اشتراك ولا سيما إذا كانا متجاورين في منطقة البيع! والعالم عادة لا يحسد المهندس الكهربائي، ولكن قد يحسد العالم من جنسه ومن صنفه. ولا سيما إذا كانا يعملان في محيط اجتماعي أو جغرافي متقارب! وهذا يفسر جانبًا من الصراعات الدائرة بين المتشابهين، وإن كان ظاهرها على أمور أخر؛ كالخط السياسي أو الاختلاف الفكري أو ما شابه. وهكذا الحال يقال في مثل قضية الزوجات المتعددة اللاتي يشتركن في زوج فإن كلا منهما تريد الاستحواذ، وهما في نقطة مشتركة ومحل منافسة واحد! وعلى هذا فقس سائر الأمثلة؛ فإن المتشابهين والمتشابهات في البيئة الاجتماعية، أو في العمل والمهنة، أو في النسب، والقرابة، بل كلما ازداد القرب كان احتمال الحسد أكبر. ولعل القرآن الكريم بذكره لحالات التحاسد التي تمت بين الإخوة (في قصة ابني آدم واخوة يوسف) يشير إلى هذا المعنى.. وعندما نقول (احتمال الحسد) نريد أن ننفي الجزم والعمومية، فإن القاعدة الأولية في المتقاربين هو الانسجام والتعاون والتكامل، وهو المفروض أن يحدث، لكن على أثر اختلال الوعي واتباع الهوى والاستجابة للشيطان قد يحدث الحسد. وما دام الحسد هكذا من الممكن أن يكون في الفقير والغني والعالم والجاهل وفي ذي الشخصية الاجتماعية وفي المغمور من الناس وفي القريب والبعيد، فينبغي للإنسان مهما كان أن يحذر ويكون متيقظا لكيلا يغزوه وباء الحسد، فلا يوجد مَن عبَر القنطرة، ويستوي في ذلك كل من تقدم! وأنا وأنت! وسيأتي الحديث عن بعض المقاييس والاختبارات التي يستطيع أن يتعرف الإنسان بواسطتها على كونه حسودا أو بعيدا عن الحسد! فإن هناك صفات وعلائم إن توفرت في نفس الإنسان أنتجت أن يقال هو حسود