فوزي آل سيف

5

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

المعترك السياسي كذلك! وكأننا بهذا نقول لهم: عندما تريد احترامي كن مستبدًا! وعندما تريد تقديري لا تستمع لغيرك من الناس مهما كان رأيه صحيحا وصالحا! إن النتيجة التي يقدمها القرآن الكريم، لعاقبة استبداد فرعون وعاقبة مشاورة بلقيس، هي أن فرعون باستبداده ذاك (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ)[5]بينما تلك وصلت إلى قصر سليمان، واعترفت بأنها ظلمت نفسها ولكنها في النتيجة (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[6]. مع كمال عقل المعصومين يشاورون غيرهم: ما يعيق البعض عن المشاورة، ويدفعهم للاستبداد أنهم يتوهمون بأن المشاورة تعني الضعف وعدم القدرة على حل الأمور، بينما الاكتفاء والاستبداد يعني أن الشخص فاهم في كل الأمور ولا يحتاج إلى غيره، وهذا ـ لعمري ـ فكر خاطئ بيّن الخطأ. ذلك أننا نعتقد ـ كمسلمين ـ بأن النبي المصطفى محمدًا صلى الله عليه وآله هو أكمل الخلائق عقلًا ورأيًا وهذا ما يعتقده فيه حتى الكفار فلم يجربوا عليه حتى قبل رسالته خطلًا ولا زللًا. وأنه لا ينبعث إلى أمر إلا كان ذلك الأمر هو أحسن الاختيارات الممكنة، (ويوجد بحث في أن هذا هل هو ناشئ من التسديد الالهي في كل التفاصيل أو أن الله أكمل لنبيه العقل فهو يتصرف على هذا الأساس).. ومع كل ما سبق إلا أن ذلك لم يكن مانعا للنبي صلى الله عليه وآله أن يشاور المسلمين فيما هو أعلم به منهم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[7]. وقضية الخندق مشهورة في مشورة سلمان الفارسي[8]على النبي والمسلمين[9]. وفي حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، يتحدث فيه عن أبيه الامام موسى بن جعفر الكاظم ويشير إلى جهة المشورة فيقول: " كان عقله لا يوازن به العقول، وربما شاور بعض عبيده فيشير عليه من الضيعة والبستان فيعمل به، فقيل له: أتشاور مثل هذا؟ فقال عليه السلام: ربما فتح على لسانه[10]. لماذا يستبدون؟

--> 5 ) هود: 98 6 ) النمل: 44 7 ) آل عمران: 159 8 ذهب بعض العلماء إلى أن مشورة سلمان على النبي صورية وليست حقيقية وأن ما جاء في الآية المباركة هو أمر أخلاقي لتطييب نفوس المسلمين. 9 " يميل السيد عبد الرزاق المقرم في كتابه العباس عليه السلام 1/ 20 إلى أن " الرسول الأعظم، وهو المسدَّد بالفيض الأقدسّ والإرادة الإلهية المستغني عن الاستعانة بأيّ رأيّ، يمشي وراء العادة، فيشاور أصحابه إذا أراد المضيّ في أمر، ولعلّ النكتة فيه ـ مضافاً إلى ذلك ـ تعريف خطأ الاستبداد وإن بلغ الرجل أعلى مراتب العقل، فكانت الصحابة تبصر من أشعة حكمه فوائد الاستشارة كالاستخارة، وتمضي على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من أُعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ " ثم أورد أمثلة على ذلك منها؛ ما شاورهم فيه في أصل المعركة أو تركها "، و" لا يندم من استشار، ثم لما وصل إلى بدر، قبل مشورة الحباب بن المنذر في تغيير المكان الذي تم اختياره، وكذلك في غزوة الخندق عندما طلب منه عيينة بن حصين والحارث بن عوف ثلث أثمار المدينة، ليرجعا بمن معهما من غطفان، فشاور في ذلك السعود الثلاثة: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن فزارة، فأشاروا عليه ألا يعطيهم شيئاً، فعمل بمشورتهم وكان النصر حليفه.. وكذلك كان الأئمة من بعده ـ يقول السيد المقرم ـ فقد شاور موسى بن جعفر الكاظم أهل بيته وشيعته لما عزم الحاكم العباسي موسى الهادي على قتله، فأشاروا على الامام أن يغيب وجهه عنه، فعمل بمشورتهم، ونقل كذلك ما جاء في المتن من ثناء الامام الرضا على والده أنه كان أكمل الناس عقلا وربما شاور بعض غلمانه.. 10 الحر العاملي؛ محمد بن الحسن: وسائل الشيعة - ط الإسلامية 8 /428