فوزي آل سيف

47

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

نقل أحد المؤمنين عن أسرة، كان فيها أحد الأبناء مخصوصا بالثلث[95] من أبيهم المتوفى، ولم يقبل باقي الأخوة هذه الوصية! فلماذا يختص هذا بالثلث دونهم؟! لقد أدى ذلك إلى حسدهم إياهم، فزوروا عليه كلامًا انتهى إلى سجنه! ولن يعدم الحاسد تبريرًا يحتمي به من هجمة نداء الضمير ولوم الوجدان، لذلك يبرر لنفسه أن الموقف الطبيعي هو هذا وإنما صنعوا ذلك من أجل إصلاح الأسرة مثلما قال اخوة يوسف (وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)[96]. إذا حسد شخصٌ عالماً فإنه لا يقول إن ذلك بسبب قلبه المريض! ونفسه الضيقة، وإنما يقول إنه يفعل ذلك من أجل مصلحة المجتمع وحماية الدين والمذهب والحرص على عامة الناس! إن الحاسد يغالط نفسه وإن أظهر أعذارًا وتبريرات لفعله، لكنه يعلم قبل غيره أنه يفعل الخطأ مدفوعًا بنوازع نفسية باطلة، وإلا فما يعني أن يكونوا قومًا صالحين وهم قد قتلوا أخاهم أو طرحوه في الجب؟ ماذا يعني أنهم يريدون أن يخلو لهم وجه أبيهم، وقد جرَّحوا قلبه إلى حد أنه بكى على ابنه دهرًا حتى ابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم؟ أتراه يحبهم حتى لو خلى وجهه لهم؟ أو يراهم قومًا صالحين؟! الحسد فردي وأممي: كما أن الحسد يمكن أن يكون فرديًا كما هو في القصص الثلاث (إبليس وآدم، وابني آدم، وأبناء يعقوب) فمن الممكن أن يكون على مستوى المجتمعات والأمم! وهذا أكثر خطورة لأنه سيجعل تلك المجتمعات والأمم تتحرك ضمن إطار الحسد والكيد ولن يكون الضرر خاصًا بأفراد معينين! يقول القرآن الكريم: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا)، لماذا؟ (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)[97]. يتمنى أهل الكتاب – اليهود على وجه الخصوص: - لو أن العرب القرشيين يرجعون وثنيين يعبدون الأصنام!! بعدما آمنوا بالله وحده واتبعوا النبي المصطفى! وهذا من العجيب الغريب.. ذلك أن من مصلحة أهل الكتاب أن يصبح هؤلاء العرب الوثنيون مؤمنين موحدين. لأنهم بذلك يشتركون معهم في عبادة الله، وإن اختلفوا معهم في النبي!. مع ذلك، كانوا يتمنون لو يرجع العرب كفارا يعبدون الأصنام.. لماذا؟ (حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم)، لأن هؤلاء أصبحوا متساويين معهم أو أرقى منهم في الإيمان. وهم لا يريدون هذا الشيء!. فهم يفضلون لو أنهم رجعوا كفارًا على أن يصبحوا أفضل منهم. وقد ذكرنا في صفحات سابقة، أن من صور الحسد أن يحسد الحاسد إنسانا على نعمة، ويتمنى أن تصل له بدل صاحبها. لكن لأنها لا تصل، يتمنى أن تزول عنه. حتى لو لم تصل له، فالمهم عنده أن تزول عن ذلك المحسود. فليذهب إيمان هؤلاء العرب حتى أصبح أنا ـ اليهودي ـ أفضل منه ما دام كافرا. ولذلك يسعى هؤلاء اليهود من أجل تخريب ديانة وإيمان المسلمين.[98]

--> 95 يجوز عند الامامية الوصية للوارث بما لا يتجاوز الثلث عملا بالآية المباركة التي تجيز الوصية للوالدين والأقربين وهم من الورثة (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) البقرة /180.. خلافا لسائر المذاهب التي تلتزم بأنه (لا وصية لوارث ! ( 96 يوسف: 9 97 البقرة: 109 98 (آل عمران: 72 (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)