فوزي آل سيف

48

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

وقد يحصل أن يكون الحسد من قبل جماعة بالنسبة لفرد أو جماعة.. فقد حُسد النبي محمد صلى الله عليه وآله، في نزول الرسالة عليه واختياره من قبل الله عز وجل، بينما كان الأولى والأنسب في رأيهم ألّا يكون هو النبي المبعوث (وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ*) ويناقشهم القرآن مخطّئا إياهم (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ).[99] كان ما سبق هو مواقف مجتمعات غير مسلمة تجاه الأمة المسلمة!، ولكن قد يحصل أن يحسد بعض المسلمين بعضًا آخرين على ما آتاهم الله من فضله، ويكيدون لهم بناء على ذلك، ويبتلونهم بالشرور والاعتداءات! فإن الموقف الذي وقفه الخط القرشي تجاه أهل البيت عليهم السلام، من وفاة رسول الله إلى أيامنا الحاضرة ليشير إلى هذا المعنى فقد ورد في تفسير قول الله عز وجل: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)[100]، أن المقصود بـ (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ): يحسدون أهل البيت.[101] وفي بعض الروايات: "فَنَحْنُ وُلْدُهُ الْمَحْسُودُون."[102] وليست القضية تاريخًا وانقضى بل نجد أنه نهج مستمر، فإن الناظر في موقف الكثير من أبناء الأمة، بل من مذاهبها وتياراتها يجد هذا النحو من العلاقة المتشنجة التي يختفي الحسد خلفها بمنزلة الدافع، فترى هؤلاء إذا سمعوا ثناءً على أهل البيت عليهم السلام، انتفخت أوداجهم غضبا لمقام التوحيد (!) وأفاضوا في ذكر الغلو! وأنه لا ينبغي أن يغالي الشخص في حق أهل البيت! وتحولت القضية إلى عقيدة من العقائد تنتهي إلى أن أهل البيت ليست لهم ميزة في الإمامة والولاية والقيادة! وإذا أردت أن تكون ايجابيا عند هؤلاء فيكفي أن تمحضهم المحبة! ومن غير غلو في حقهم! والغلو عند هؤلاء يتحقق حتى لو ذكرت عدة أحاديث ثابتة عن رسول االله في حقهم! ومن أحسن ما قيل[103] في هذا: إذا المُرجيُّ سَرَّكَ أن تَراهُ يَموتُ لِحينهِ من قَبل موتِه فجدِّد عِندَهُ ذكرى عَلِيٍّ وصَلِّ على النَّبِيِّ وأهلِ بيته هل يؤثر الحسد على المحسود؟ (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).[104]

--> 99 (الزخرف 31ـ 32 100 النساء: 54 101 ويظهر أن الأمر كان متسالما عليه إلى الحد الذي لم يرد الخليفة الثاني عمر على ابن عباس ـ مع صغر سنه في ذلك الوقت ـ حين استدل بالآية، كما اورده الطبري في تاريخه: (.. فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسدًا، وظلمًا! فقلت: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلمًا؛ فقد تبيّن للجاهل والحليم، وأما قولك: حسدًا، فإنّ إبليس حسد آدم؛ فنحن ولده المحسودون؛ فقال عمر: هيهات! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسدًا ما يحول، وضِغْنًا وغشًّا ما يزول. فقلت: مهلًا يا أمير المؤمنين! لا تصِف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا بالحسد والغشّ، فإنّ قلب رسول الله ﷺ من قلوب بني هاشم. فقال عمر: إليك عني يا بن عباس! ( 102 ) في الكافي 1/ 205 عندما سأل الامام الباقر عن تفسير قوله تعالى: "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " نحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين". وقد عقد الكليني بابا ذكر فيه عدة روايات بهذا المضمون. " 103 ) نسبه بعضهم للأمين العباسي، بينما ذكر المسعودي في مروج الذهب 4/ 4 أن المأمون تمثل به في مواجهة ابن عمه ابراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة ولا يعلم أن صاحب المروج هل أراد أن الشعر للمأمون إنشاءً أو أنه مجرد تمثل وإنشاد! 104 النساء : 54