فوزي آل سيف
46
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
ان ما يلفت النظر في قصة ابني آدم جهات كثيرة، منها: موضوع المحَسدة. فإنه قد يُحسد الإنسان؛ لأن لديه مالًا مثلا، أو زوجة حسناء، أو مركبة فارهة، أو بيتًا فخمًا.. ويتمنى الحاسد زوال تلك النعم عنه، أما أن يحسده الإنسان لأنه محبوبٌ عند الله!! ويريد أن يزول عنه هذا الحب الالهي فهذا أمرٌ غريب! ومنها: التركيز على قضية الأخوة بينهما. فالحسد لا يعرف قرابة ولا نسبًا. فمن الممكن أن يحسد الإنسان أخاه لأبيه وأمه. كابني آدم، إذ تحققت فيهم هذه الخصلة السيئة، من جهة قابيل لهابيل. وسيأتي أن الحسد في الأقارب أكثر منه في الأباعد، وفي المتشابهين أقرب منه في المختلفين، وفيما بين الأرحام أكثر مما هو بين الأجانب عن بعضهم البعض.. هذه الآيات والأخرى التي تتحدث عن أبناء يعقوب النبي، تشير إلى أن هذه الخصلة الذميمة لا تعرف أخًا ولا أختًا ولا ابن عم ولا ابن خال ولا زوجا ولا زوجة. فمن الممكن أن تكون فيما بين هؤلاء. أما القصة الثالثة، فهي: قضية نبي الله يوسف عليه السلام - مع إخوته. وهي قضية معروفة: أن هؤلاء على أثر حسدهم له، كانوا يتمنون أن تزول محبة أبيهم ليوسف فلا تعود له وتنصرف منه إليهم (لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ)[92]! تُعصب بنا الأمور ونقضي المهمات فينبغي والحال هذه أن نكون نحن الفائزين بمحبته لا يوسف وأخوه! وما دام أبونا يفعل خلاف ذلك فـ (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)! إن الحاسد ليقوم ببعض القياسات الخاطئة ويُخطّئ غيره، فإبليس يرى أن تفضيل الله لآدم ليس صحيحا لأن النار التي خلق منها هي أفضل من الطين الذي خلق منه آدم! وقابيل يرى في تفضيل الله ـ وأبيه آدم ـ أخاه هابيل عليه، أمرًا غير صحيح، وأنه هو الأفضل! أما قضية العين، التي ارتبط بها الحسد فسيأتي الكلام عنها في الصفحات القادمة، وسيتم التشكيك فيما ينسب إلى العين، من خلال القول بأن الحاسد بعينه يؤثر تأثيرًا غير منظور بحيث تحترق سيارته عندما ينظرها بعينه! أو يتساقط شعر المحسودة عندما (تنضلها) الحاسدة بنظرة! وهكذا.. المقدار الذي يتحدث عنه القرآن في قصة أبناء يعقوب الحسدة مع أخيهم يوسف هو أن يعقوب النبي تخوف على ابنه لا من عيونهم وإنما (فيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)[93]. وإنما يتعوذ من (شر) الحاسد إذا حسد، وفعله الذي يقدم عليه على أثر ذلك! إن الأثر الطبيعي للحسد هو أنه يدفع الحاسد ليكيد المحسود. فإذا كان المحسود معه في العمل، وتقدم عليه وحقق انجازات فيه، فعلت مرتبته وموقعه، يبدأ بحسده. فماذا يصنع؟ يكيد له. يقدم تقارير كيدية عنه، ويفسد عليه بعض حلقات عمله ويعيقها عن أخذ مجراها الطبيعي! يحاول توريطه في أعمال غير قانونية.. وأشباه ذلك من المؤامرات. وهكذا لو حُسدت امرأة على مكانتها من زوجها، ومحبته إياها. تُكَد من الحاسد أو الحاسدة، فيُزوّر اسمها في علاقة أو يتصل شخص بزوجها زاعمًا أنه على علاقة معها! أو تزور صور خليعة عنها.. وأمثال ذلك من الشر والكيد الذي يقوم به الحاسدون! لقد كشف أولئك الحاسدون البائسون (كيدهم، وشرهم) بشكل صريح ولم يتركوا مجالا للتأويل والترديد.. بقولهم (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ)[94].
--> 92 يوسف: 8 93 يوسف: 5 94 يوسف: 9