فوزي آل سيف
4
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وبشيء من التدبر نلحظ أن فرعون لم يكن لديه خصلة الاستبداد بالرأي فحسب، بمعنى أنه يطبق رأيه ولا يهتم لرأي غيره، بل هناك مرحلة أسوأ وهي أنه يستنكر على الناس أن يكون لهم رأي غير رأيه. أو أن يفكروا بغير طريقته، وأن يروا الأمور بغير الصورة التي يراها هو! رته، (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى). وهذا من أقصى درجات الاستبداد المطلق بالرأي. وفي مقابل ذلك يقدم القرآن الكريم صورة بديعة في المشاورة مع الآخرين وتقليب الرأي بحضورهم والاستماع إليهم وهي صور ملكة سبأ التي ما إن جاءها كتاب سليمان (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) حتى استدعت وزراءها وأركان مملكتها قائلة لهم: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ)،[3]أي أني أحتاج إلى رأيكم وإني لا أقطع بالقرار حتى نتناقش فيه وتبينوا آراءكم! ومن المفارقة، أن الموقف الجميل في المشاورة، يأتي من امرأة مع ما اشتهر اجتماعيًا عن النساء من تسرعهن في اتخاذ القرارات بصورة عاطفية! بينما الموقف القبيح الاستبدادي يأتي من رجل! يفترض فيه أنه أقرب إلى الحكمة والتعقل. وبينما يستنكر فرعون الرجل على جلسائه أن يفكروا ـ مجرد تفكير ـ بغير طريقته! تقرر هذه الملكة بأنها لن تقطع بأمر أو قرار إلا بعد مشاورتهم! والاستبداد بالرأي ليس خاصا بالملوك والسلاطين وأهل السياسة والحكم، بل قد نجده في الحياة الاجتماعية والأسرية، وربما تكون الثقافة العامة في المجتمع تشجع على الاستبداد من خلال الأمثلة والأشعار[4]ويتأثر بها الناس في لا وعيهم. فقد نربي أولادنا على الاستبداد، حينما نقرن الإصرار على الرأي، وعدم قبول رأي الآخرين، ورفض التراجع، نقرن كل ذلك بالقوة ونشير إليه بالإعجاب، فنقول عن فلان في سياق المدح أن (كلمته ما تتثنى)! مع أن هذا من أسوأ الصفات! فهل هو رب العالمين الذي قوله الحق؟ أو هو النبي العظيم وأوصياؤه الطاهرون؟ إن الفخر ينبغي أن يكون بشكل أن هذا إذا رأى كلامه خاطئا، يتراجع. وإذا رأى غيره على الحق يتبع رأيه! لا أن يقال: كلامه لا يتثنى ولا يتغير! إن أبناءنا عندما يسمعون هذا الاعجاب بمن كلمته لا تسقط على الأرض ولا تتثنى بهذا المعنى، يعتقدون بأن الاستبداد هو الطريقة التي تجلب المدح والثناء والاعجاب! فنربي مستبدين في بيوتنا، حتى إذا خرجوا في الحياة العملية طبقوا استبدادهم هناك، وإذا تزوجوا مارسوا الاستبداد مع زوجاتهم وأبنائهم، وإذا دخلوا
--> 3 النمل: 30 و 32 4 من ذلك ما يتم تبسيط المعارك السياسية به، مثلما نقله الطبري في تاريخه 7 / 320 عن دور منادم سماه أبا العود وأنه حرض هارون الرشيد على البرامكة فقال: فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفا بالأدب وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العود فحضر ليلة فيمن حضره فأعجبه حديثه فأمر خادمًا له أن يأتي يحيى بن خالد إذا أصبح فيأمره أن يعطيه ثلاثين ألف درهم ففعل فقال يحيى لابي العود أفعل وليس بحضرتنا اليوم مال يجيء المال ونعطيك إن شاء الله ثم دافعه حتى طالت به الايام قال فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتا يحرضه فيه على البرامكة وقد كان شاع في الناس ما كان يهم به الرشيد في أمرهم فدخل عليه ليلة فتحدثوا فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة وعدت هند وما كانت تعد * ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد.. فقال الرشيد أجل والله إنما العاجز من لا يستبد حتى انقضى المجلس.