فوزي آل سيف
38
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
تعبير(يطغى) والطغيان هو بمعنى الزيادة. وتجاوز الحد، فيقال: طغى السيل أي: تجاوز مكانه المعتاد، وهذا الإنسان عندما يرى نفسه غنيا يتجاوز حده الطبيعي ويطغى. والتكبر: تفعُّل من الكبر، وهو في صفة الله تعالى[78]يختلف عنه في العباد، فهو من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، لكنه إذا استعمله العبد كان ذمًا لأنه تكلف لما لا يصح له وادعاء لما هو قاصر عنه وكاذب فيه، لا سيما مع اقتران هذه الصفة بصفة الجبار.. ففيما وصف الله سبحانه وتعالى نفسه بأنه (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)[79] وصف العبد المتكبر بأنه قد طبع على قلبه، وفي التفريق بينهما قال المصطفوي: "هذه الصفة في العبد من رذائل الصفات الخبيثة، فانّ العبد الذليل المملوك الفقير المحدود الضعيف لا ينبغي له أن يتكبّر. وهذا بخلاف الربّ القادر الغنىّ المالك العزيز المتعال، فانّه ينبغي بمقتضى عظمته وجلاله بذاته: أن يظهر كبرا، ولا يصحّ له أن يظهر منه ما يشعر بصغر وضعف وحدّ، سبحانه وتعالى عنه، فانّ هذا خلاف الحقّ ويوجب انحرافًا في عقائد خلقه واضطرابًا..(السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) 59/ 23 ولا يخفى أنّ المتكبّر في مقام توصيف الربّ يذكر بعد اسم الجبّار، وأمّا في توصيف العبد فيذكر قبله :(كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار) ٍ- 40/ 35 فانّ الجبّار هو القاهر الغالب النافذ، وهذا المعنى بعد صفة التكبّر غير ملائم، فانّ النفوذ والقهر والغالبيّة بعد اظهار الكبر: يبلغ الى التعدّي و إضاعة الحقوق والجابريّة، بخلاف ذكر الكبرياء بعد الجبّاريّة: فانّ اظهار الكبر يصلح الجبّاريّة و القهر".[80] إن العبد مركب من النقص والعجز والضعف فممارسته للتكبر والتعاظم هو كذب وتعاطٍ لما ليس له. إن حياة الإنسان متوقفة على تنفسه، وحركة قلبه، وعمل أعضائه الداخلية، وكل هذه تجري رغمًا عنه ولا تنتظر منه أمرًا حتى تعمل، ولا تتوقف لعدم رغبته في ذلك! فكيف يدعي التكبر وهو لا يستطيع السيطرة على بدنه؟ ولا يتحكم بأعضائه؟ ولا يملك حياته ولا موته؟ بين الصور الظاهرة والخفية: لقبح التكبر في الأعين فإن الكثير من الناس يتبرؤون منه ظاهرًا، ويعلنون أنهم غير متكبرين، فإذا تم الحديث عن التكبر تبادر إلى ذهنهم أمثال قارون الذي انبعث (فخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ)! بينما هم لا يمتلكون أموالًا حتى يتكبروا. لكن التكبر لما كان شعورا داخليا، فإن من الممكن أن أكون أنا أو أنت عزيزي القارئ متكبريْن، ولا نشعر أو لا نحسب من المتكبرين. يوجد لدينا حقائق التكبر ولسنا معروفين به! قد يوجد عالِم يحمل علمًا كثيرًا، لكن علمه ذاك لم يؤثر في تهذيب نفسه، وقد لا يملك الأموال الطائلة ولا الهيئة البهية المشيرة إلى تعاظمه، ولكنه مع ذلك متكبر في داخله، فهذا نفسه قد يطلع على بحث لعالم أو فكرة لفقيه.. فيقول لتلامذته أو من يسمعون كلامه! ما هذه التلفيقات؟ هل هذا له معرفة علمية؟ إن هذا
--> 78 قال ابن الجوزي في زاد المسير 4/265 : فأما المتكبر ففيه خمسة أقوال: 1/ أنه الذي تكبر عن كل سوء.2/ أنه الذي تكبر عن ظلم عباده. 3أنه ذو الكبرياء، وهو الملك. 4/أنه المتعالي عن صفات الخلق. 5/ أنه الذي يتكبر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة فقصمهم. 79 ) الحشر: 23 80 المصطفوي ؛ الشيخ حسن: التحقيق في كلمات القرآن الكريم 10 / 19