فوزي آل سيف

39

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

البحث لا قيمة له ولا يسوى قيمة الحبر الذي كتب به! هذا مع أن الواقع غير ذلك؟ ولكنه أراد إظهار نفسه بمظهر العالم الفحل الذي لا يُشق غبارُه ولا يُبلَغ مقداره. وقد يتعاظم هذا العالم في نفسه على غيره، حتى يصبح كتلة من التكبر، فلا يرى أحدًا يعادله ولا فكرة إلا وهو محيطٌ بها، ولا علم إلا لديه، وأما غيره فهم لا يفقهون ولا يفهمون! وربما لا يستطيع إخراج هذا الكلام للمجتمع ـ لجهات ـ لكنه يستشعر هذا في نفسه، ويعتقد به.. هذا من الكبر الذي قيل عنه (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ).[81] وقد يكون بحث ذلك العالم (المنتقَد) أو كتابه، يحصل من التوفيق، لسلامة نية كاتبه ما ينتشر معه في كل مكان، ويصبح حديث كل لسان بينما يبقى هذا المتعاظم في نفسه لا يؤثر حتى في طلابه، وينسى ذكره ولا يكون له من أثر.[82] وقد يكون طالب العلم أو الخطيب والموجه مثالًا للتكبر، حين يعتقد في قرارة نفسه أن أعمال الناس عمومًا باطلة، لأنهم لا يعرفون مسائل الطهارة والنجاسة، ويترتب على ذلك أن تكون صلاتهم غير صحيحة، وبالتالي فسيكونون من أهل النار! باستثنائه هو ومن على شاكلته، فإنه حيث يدقق في هذه المسائل فتكون أعماله صحيحة، وبالتالي فهو من ورثة الجنة! هذه هي عقلية (إِنَّ الْإنسان لَيَطْغَىٰ. أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) وهي مخالفة تمامًا لـ (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ). وقد تعبر بعض الممارسات عن حالة من التكبر في داخل الإنسان لا تخطئها العين، مثلما إذا حضر بعض طلاب العلم، فإنه ينتظر من الناس أن يقوموا إجلالًا له، وأن يترك الرجل الكبير وغيره مواقعهم ليجلس وهو المتأخر في صدر المجلس! مع أنه قد نص على أن من التواضع أن تجلس حيث بلغ المجلس وأن من التكبر الاصرار على تصدر المجلس! في المقابل نرى أن العلماء الحقيقيين يرون أنفسهم لا يعلمون شيئًا، وأن عبادتهم حقيرة، ويستشعر الواحد منهم في داخله أنه (الأحقر)! بل عندما يناقشون سابقيهم من العلماء في نظرياتهم تراهم ينتحلون لهم الأعذار، والقول بأنه ربما كان قصده هكذا، أو أن دليله في المسألة كذا لكن يناقش بكذا بل أحيانا يقول بعضهم: لعلنا لم نفهم مقصوده بشكل كامل.. الى غير ذلك من العبارات التي نطلع عليها في كتبهم! والتي تشير إلى تواضعهم الحقيقي. ومن النماذج المتكبرة الخفية: ما يعرف بالنخب الثقافية. فإن قسمًا من هؤلاء يقرأون الكتب، ويتعمقون فيصبحون على مستوى ثقافي متميز، ولا سيما إذا اطلع على الثقافة الأجنبية أو قرأ بلغاتها الأصلية، أو لكتاب مشهورين! فعندئذ (يتسامى) بعضهم كالغاز في الهواء، ويرى نفسه شيئا عظيمًا متفردًا بين الناس! ناظرًا إليهم من الأعلى، فيستهزئ بهذا العامي، وبذلك المعمم، وبعامة الناس الذين لا يفهمون رأيه ولا يفقهون، وكلما قرأ بعض هؤلاء كتابًا جديدًا زاد استخفافه بالناس! وزادت قسوة انتقاده له، وانفصاله بالتبع عنهم وانحيازه بعيدا منهم.

--> 81 غافر: 56 82 ) قد يكون هذا بشكل طبيعي حيث يكتسب المتواضع محبة الناس فيعظم في أعينهم ويزداد حضوره بينهم بعكس المتكبر الذي لا يرتاح إليه الناس فلا يذكر وإذا ذكر فبالانتقاد، وقد يوجد بالإضافة إلى العامل الاجتماعي عامل غيبي، وهو ما قد يشير له أحاديث؛ منها ما عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: ما من أحد من ولد آدم إلا وناصيته بيد ملك، فإن تكبر جذبه بناصيته إلى الأرض وقال له: تواضع وضعك الله! وإن تواضع جذبه بناصيته ثم قال له: ارفع رأسك رفعك الله، ولا وضعك بتواضعك الله. كما في ميزان الحكمة 4/ 3559