فوزي آل سيف
31
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
لو أن إنسانا فكر في أن هذا الكلام الذي يقوله - في حال رضاه وعصبيته - هو جزء من الملف الذي يعبئه ويملأه، لكان ينبغي أن يقتصد كثيرًا في هذا الكلام. أما إذا انعدم الشعور بالرقيب الداخلي الديني والأخلاقي، فإن قسما من الناس لا يمتنعون عن ممارسة البذاءة تجاه غيرهم. 4/ الأمن من العقوبة القانونية.. ربما لا يكون لإنسان رقابة داخلية، ورادع أخلاقي، ولكنه يخاف من العقوبة القانونية، والمتابعة القضائية، وهنا لا ريب أنه سيمتنع عن البذاءة تجاه الآخرين، فإن وجود قوانين تجرّم الإساءة للآخرين، وتغلظ العقوبة على المتعدين باللسان على مخالفيهم، يمنع الكثير من هؤلاء من ممارسة (هوايتهم) في التعدي اللفظي والتوصيف بأوصاف شائنة لغيرهم. وأما لو علم الشخص بأنه بمأمن من العقوبة، إما لعدم وجود قانون يجرم هذه الأفعال، أو لعدم وجود آلية في المتابعة والتقاضي، أو لكون الشخص من (كبار القوم) فإن ذلك قد يكون من أسباب انتشار البذاءة في مثل هذا المحيط! لقد حاول الاسلام حماية شخصيات الناس من خلال تشريعات أخلاقية، مثل تحريم الغيبة والنميمة، وبالنسبة للحالات الأشد مثل القذف الجنسي فقد قرر فيه حدًّا شرعيًا، وما لم يكن قذفًا جنسيًا، فقد تركه ضمن دائرة صلاحيات القاضي بإنزال العقوبة التعزيرية.. والغرض من ذلك ردع هؤلاء الذين يستسهلون الاعتداء اللفظي على سائر الناس! حينما أصر على الاعتذار العلني! قبل مدة كتبت الصحف، أن أحد الدعاة تكلم على محام بكلمات من نوع: أنه علماني، ويدعو إلى الفسوق، وهو من رواد التغريب، ويسعى لفساد الأخلاق، وما شابه ذلك. المحامي الذي سجل كل كلمات الداعية ذاك، بمصادرها، رفع بعد مدة دعوى قضائية عليه في المحكمة، أورد فيها ما قاله الداعية ذاك في حقه مما يعتبر (قذفا)[59]له، واتهاما في دينه، ونشر بعد ذلك خبر رفعه الدعوى على وسائل التواصل! ولما علم الداعية أن الأمر جدي وأن الدعوى مرفوعة عليه في المحكمة، سارع إلى الاتصال بالمحامي والاعتذار إليه! وكأنه يطلب منه إنهاء القضية من دون محاكم ودعاوى وأنه يعتذر إليه! غير أن المحامي لم يقبل أن يتم الأمر بهذه السهولة، قائلا له هتكتني بين الملأ، وتعتذر لي بالتلفون؟ إذا كنت جادًّا في الاعتذار، فهلمَّ واعتذر بنفس الطريقة التي وجهت لي فيها التهم، ونشرت بها ما لا يصح من القول في حقي، وليكن ذلك الاعتذار صريحًا، وإلا فالدعوى جارية في إطارها القانوني. وحيث علم أن الأمر جدي فعلًا، لم يجد وسيلة إلا أن يعتذر اعتذارًا صريحًا، وأن يتراجع بشكل حقيقي لا مجال فيه للتأويل، عن كل ما كتب في حقه. نعم لو عرف الإنسان أن هناك قانونًا، ومن الممكن أن يجري هذا القانون عليه، فإنه سيفكر مرات قبل أن يسيء لفظيًا لغيره، فالزوج الذي اتهم زوجته في عرضها، وأهان شخصيتها بلسانه إذا علم أن بالإمكان محاسبته في المحكمة سيتردد كثيرًا قبل أن يجعل تحية الدخول إلى المنزل سبًا وشتمًا واتهامًا! وكذلك الزوجة أيضًا، وإن كانت خيارات الزوج أكثر في هذا!
--> 59 ) يستعمل مصطلح القذف في الثقافة الحديثة الدارجة بمعنى الاعتداء اللفظي على شخص، ولو لم يكن له طابع جنسي، وهذا بالطبع بخلاف الاصطلاح الموجود في الفقه الاسلامي الذي يخصه هذه اللفظة وما يترتب عليها من الحد بالقذف بالفاحشة، كما سبق بيانه.