فوزي آل سيف

28

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

من بذاءة اللسان ما نراه من البعض مع أسرته، ولا سيما إذا تجاوز الحدود الشرعية مثل الرمي والقذف سواء كان من طرف الزوجة لزوجها بأن تتهمه وتقذفه بأنه صاحب علاقات و(عاهرات) أو عكس ذلك عندما يرمي زوجته بالزنا والانحراف.. وهذه كما هو المعلوم توجب للمرمي والمقذوف حقا يستطيع استيفاءه بحكم الشرع، فضلا عن العقوبة الالهية الأخروية. وبالرغم من أن حد القذف[54] الثابت في القرآن الكريم، هو في حدود القذف بالفاحشة والزنا فلا يعم غيرها كما ذكر العلماء، ولا يطلق على ذلك ـ في غير الاتهام بالزنا ـ أنه قذف. إلا أنه يوجب ـ لو كان في غيره ـ عقوبة يمكن استيفاؤها من خلال التعزير. في مقابل من ذكرنا في الصفحات السابقة من أقسام بذيئي اللسان، سواء منهم المبرر لنفسه ذلك الفعل أو المتبجح والمتفاخر به.. نجد النموذج العفيف لسانه، الذي إذا تصور أنه قد جرح شخصا بكلمة، تراه لا يستقر حتى يعتذر إليه ويتحلل منه، ومع ذلك يظل يستشعر الإثم. هذا القسم لا يُعوِّد لسانه إلا الحسن من القول والجميل من اللفظ. يتمثل هذا القسم ما نقل عن المسيح عيسى بن مريم – على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام – أنه كان في جماعة حواريه، ومر عليهم خنزير متسخ. فأشار عليه، وقال: "مُرْ بِسَلَامٍ". بمعنى: اعبر بسلام، يخاطب الخنزير. فاستنكر عليه بعض أصحابه، أن هذا خنزير! نجس العين! وفوق ذلك هو قذر، ولا يفهم منك شيئًا. فلو قلت له: اذهب أو تعال أو قف، لا يفهم منك ذلك. فماذا يعني ما قلته له؟ قال: "أَكْرَهُ أَنْ أُعَوِّدَ لِسَانِي غَيْرَ الطَّيبِ مِنَ الْقَوْلِ"[55]. إن نبي الله عيسى يشير إلى حقيقة، هي أن الكلام الذي تمرره على لسانك، هو كسائل تمرره على ثوبك الأبيض. فإذا كان هذا السائل قذرا فإنه يوسخ الثوب، وإن عبر إلى الناحية الأخرى. أما إذا كان ماء زلالا صافيا رقراقا، فيمر من هنا ويعبر، وربما نظف الثوب الذي مر عليه. إن الكلام السيء كما يمر على لسانك، فهو في الواقع يمر على روحك وشخصيتك أيضًا. فلو كان طيبًا حسنًا، أثَّر فيها حُسنًا. وهذا أحد الأسباب التي من أجلها أُمر الإنسان أن يشغل لسانه بذكر الله عز وجل. سبحان الله، أستغفر الله، الحمد لله، الله أكبر، فهذه أشبه شيء بماء زلالٍ صافٍ تمرره على ثوب شخصيتك، فيكسبها نظافة وطهارة. أسباب بذاءة اللسان: 1/ مهانة الشخصية؛ فالذي لا يرى لشخصيته قيمة، ولا يرى لذاته اعتبارًا، وحسب تعبير أمير المؤمنين عليه السلام: "لَا يُبَالِي مَا قَالَ وَلَا مَا قِيلَ فِيهِ". هذا النمط من الناس متبلد الاحساس إلى درجة أنه لا يفكر كم سيؤثر هذا الكلام في المخاطب، وكيف سيجرح مشاعره! بل ولا يستشعر لو تكونت حوله فكرة سيئة أو لامه الناس أو تهجموا على أسلوبه الخاطئ.. إنه لتبلد احساسه لا يشعر بأي شيء من ذلك لا تجاه الغير ولا تجاه نفسه. وبالطبع لن يكون هذا الشخص إلا عديم القيمة عند نفسه فضلا عن الغير! وربما عبرت الآثار عن هذه الشخصية بـ (السِّفلة من الناس)!

--> 54 الخوئي؛ السيد أبو القاسم: تكملة منهاج الصالحين / 42 قال: الثامن - القذف وهو الرمي بالزنا أو اللواط، مثل أن يقول لغيره زنيت أو أنت زان، أو ليط بك، أو أنت منكوح في دبرك، أو أنت لائط أو ما يؤدي هذا المعنى..وبالرغم من أن الآية القرآنية تحدثت عن رمي النساء وقذفهن (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: 4إلا أنه لا فرق من هذه الجهة بين الرجال والنساء. 55 ) السيوطي؛ جلال الدين: الدر المنثور في التفسير بالماثور 2 / 212