فوزي آل سيف
29
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
وأما من يستشعر بقيمة ذاته، بين نفسه وبين محيطه الاجتماعي، وعلامة ذلك أنه عندما يتكلم بالفحش أو البذاءة فإنه يستنكر عليه من يسمعه: كيف تتكلم بهذا الكلام؟ لا يُتوقع منك ذلك أبدا! هل هذا المتكلم هو فلان الذي نعرفه؟ أو فلانة التي نعرفها؟ أ من المعقول أن يخرج منه أو منها هذه الألفاظ؟ هذا القسم من الناس تكره مصاحبتهم، ومخالطتهم ـ ولعل ذلك لأجل ألّا يتأثر الصاحب بأخلاقهم وطريقتهم ـ بل تكره حتى مبايعتهم. فقد ذكر الفقهاء في مكروهات المعاملات أنه: يكره مبايعة الأدنين من الناس[56]. إذا عرف الإنسان قيمة نفسه وبماذا أكرمه الله تعالى، حيث سخر له سائر مخلوقاته، وفضّله عليها تفضيلًا، وأسجد لأبيه الأكبر ملائكته، وأعد له جنته، فإنه سيأنف ـ والحال هذه ـ أن يجري على لسانه فاحش القول وبذيء الكلام. 2/ ومن الأسباب البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان. فعندما يكون في بيئة اجتماعية نظيفة اللسان وعفيفة القول، فإنه يكتسب ذلك العفاف والنزاهة في لسانه، لا بشكل حتمي وجبري وإنما بنحو الاقتضاء والتأثير.. وهذه البيئة تبدأ بالأسرة والبيت، وتمر بالمحلة والمدرسة والجامعة، وخلطة الأصدقاء والبلدة.. وهكذا. من هنا نذكر ونؤكد على الإخوة والأخوات أهمية الالتفات إلى مفردات الكلام الصادر منا في منازلنا، سواء كان بشكل مباشر مع أهلنا وأسرتنا أو ما يسمعونه منا بشكل غير مباشر، فلو اتصل بك شخص وأخبرك تلفونيا أن شخصًا قد شتمك، وأغضبك بذلك وأحفظك، فلا ينبغي أن ترخي العنان لنفسك في شتمه وسبه بألفاظ غير مناسبة، بحيث يسمعك أفراد أسرتك، فإن ذلك يعني أنك تخبرهم بشكل غير مباشر بأن هذا النحو من الكلام لا محذور منه ولا مشكلة في استعماله!! وبالتالي أنت تطبّعهم على استماع واستعمال هذه الكلمات الشائنة والسيئة، وهم سيطبقونها في المكان الذي يرونه، وربما يكون ذلك في مواجهتك فيما بعد! وآنئذ: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها إذا سببت أحدًا أو شتمته من خلال التلفون أو بشكل مباشر، فإنك تعطي رسالة للزوجة بأن وجود هذا الكلام في البيت أمر عادي؛ لأنك تكلمت به. وحيث لم تجعل للبيت حرمة فلن تمتنع الزوجة أن تسب
--> 56 قال الشيخ حسين آل عصفور في الحدائق الناضرة 18/ 38 ومنها كراهة مبايعة الأدنين ثم نقل عن الشهيد الثاني ما قاله في المسالك بأنه فسر الأدنون بمن لا يبالي بما قال ولا ما قيل فيه. وبالذي لا يسره الاحسان ولا تسؤه الإساءة. وبالذي يحاسب على الدون.... أقول: والذي يدل على الأول: ما رواه في الكافي والتهذيب مسندا عن أبي عبد الله عليه السلام والصدوق مرسلا، قال عليه السلام: " لا تستعن بمجوسي ولو على أخذ قوائم شاتك وأنت تريد أن تذبحها. وقال: إياك ومخالطة السفلة، فإن السفلة لا يؤول إلى خير قال الصدوق - رحمه الله - جاءت الأخبار في معنى السفلة على وجوه: منها: أن السفلة: الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. ومنها: أن السفلة: من يضرب بالطنبور. ومنها: أن السفلة: من لم يسره الاحسان ولم تسؤه الإساءة. والسفلة: من ادعى الإمامة وليس لها بأهل. وهذه كلها أوصاف السفلة. من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته..