فوزي آل سيف

22

الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط

كالركوع والسجود لا تكتمل إلا بذكر لساني في تلك الأفعال. هذا فضلا عن القراءة حيث (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وإنما (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) وهما فعلا اللسان. ومثل ذلك الدعاء والاستغفار..الخ. فأساس الصلاة هو حركة اللسان، ولو تصورنا إنسانا لا يريد أن يحرك لسانه في صلاته فإنه لا يستطيع أن يأتي بها صحيحة كاملة! وأوضح من ذلك تلاوة القرآن فإن التلاوة لا تصدق على إمرار المعاني في الذهن أو الكلمات في القلب، وإنما لا بد من تحريك اللسان بها لتصبح تلاوة وقراءة، ولهذا لا يكتفى بها في الصلاة لو لم تتحول إلى (قراءة وتلاوة) حتى في الصلاة الإخفاتية لا يكتفى بإمرار المعاني في القلب بل لا بد من تحريك اللسان بالألفاظ غاية الأمر أنه في الاخفاتية لا يظهر جوهر الصوت. فهذا الخير في العبادة لا يتيسر إلا باللسان. 2/ وكذا الحال في العلم الذي به يتفاضل الناس، فهو إنما ينتقل في جزئه الأعظم بالتعليم، والتعليم راجع إلى النطق واللسان. حيث يحتاج الطالب من الابتدائية إلى ما بعد الجامعة إلى معلم ناطق متكلم. 3/ حاجات الإنسان في الحياة اليومية، وتواصله مع المجتمع في علاقاته، غالبا تقوم على أساس حركة اللسان. ولذلك فلا مقارنة بين نعمة اللسان إذا خلا من الآفات، وبين ما يقابل اللسان والنطق وهو السكوت. ولذلك ورد في الحديث عن إمامنا زين العابدين عليه السلام، أنه لما سئل عن الكلام والسكوت، أيهما أفضل؟ هل الأحسن أن يتكلم الإنسان أو يسكت؟ الشائع عند الناس خطأ، أنه إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب. لكن هذا ليس صحيحا على إطلاقه - فأجاب عليه السلام بقوله: "لِكُلِّ مِنْهُمَا آفَاتٌ، فًإِذَا سَلِمَا مِنَ الآفَاتِ، كَانَ الْكَلَامُ أَفْضَلَ مِنَ السُّكُوتِ"[38]. السكوت له آفات وسلبيات، والكلام له كذلك. فإذا ارتفعت عنهما وفرغا منها، كان الكلام خيرا من السكوت." قِيلِ: كَيفَ ذَلِكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا بَعَثَ الأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْصِيَاءَ بِالسُّكُوتِ". 4/ بعثة نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله أنه جاء بشيرا ونذيرا. والتبشير والإنذار إنما هو من خلال الكلام، من خلال اللسان. أما لو فرضنا أن نبيا جاء وجلس ساكتا، كيف يهدي الناس؟ وكيف يعظهم؟ وكيف يعلمهم؟ وهكذا ما بلغ إلينا من علم أمير المؤمنين عليه السلام، وقد وصل قسم منه إلينا في نهج البلاغة، لم يأت بالسكوت، وإنما أتى من خلال الكلام واللسان. يقول الإمام عليه السلام: "إِنَّمَا بَعَثَهُم بِالْكَلَامِ وَلَا اسْتُحِقَّتْ الجَنَّةُ بِالسُّكُوتِ". 5/ مهر الجنة الذكر، سواء الذكر القلبي: أي تذكر الله عز وجل، أو الذكر اللساني واللفظي، كقول: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، الصلاة على النبي، وأمثال ذلك. هذه كلها إنما تكون من خلال الكلام واللسان. "وَلَا اسْتُحِقَّت الجَنَّةُ إِلَّا بِالْكَلَام، مَا اسْتُحِقَّتْ بِالسُّكُوتِ، وَلَا اسْتُوجِبَتْ وَلَايَةُ اللهِ بِالسُّكُوتِ، وَلَا تُوقِّيَت النَّارُ بِالسُّكُوتِ، إِنَّما ذَلِكَ كُلُهُ بِالكَلَامِ".

--> 38 ) العاملي؛ الحر محمد بن الحسن: تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشّريعة 4/ 188 عن الاحتجاج للطبرسي.